ثم إن القوم اجتمعت خيلهم وحملوا على الإمام حملة رجل واحدٍ، فافترقت منه أصحابه ثلاثة أصناف، فصنف انقلبوا مع أصحابهم عليه، وصنف انهزموا عنه وتعلقوا الجبل، وصنف يتحمون ويقاتلون وهم يستخرجون نفوسهم، فلما رأى الإمام عليه السلام ذلك فَعل فِعل آبائه الكرام[190] عليهم السلام، وحمل على القوم إلى أن خالطهم، ودخل بينهم وجاولهم في ميدان الحرب، ومزقهم يميناً وشمالاً وهم ألف ومائتا فارس، غير ما ذكرنا من الرجالة، ثم استخرج نفسه عليه السلام من أوساطهم، وتميل إلى شق الجبل سالماً مظفراً، وما قتل من أصحابه غير ثلاثة رجال ببركته ونجدته، وحمايته وبأسه.
ومثل يوم الشرارة قصده حاتم بن أحمد، وكانت خيل حاتم تسعمائة فارس معدة كلها ورجله عشرة آلاف فيهم ثلاثة آلاف قايس وألف تارس، وأتو الإمام وأصحابه على غرة معاجلة قبل شدهم على خيلهم، ولبس آلة حربهم، فابتدر عليه السلام هو وأصحابه كالليوث العادية، وقصده القوم إلى المضرب بخيلهم ورجلهم، وصاروا بين يديه صفوفاً، وتجلجل الناس عن الإمام لكثرة النبل والحجارة، ولم يكن معه عليه السلام من الرجالة غير أربعين رجلاً، فوقفوا بين يديه دون المضرب، فملك أعداؤه عليه أكمتين قريباً من المضرب، وطمعوا في نيله لقلة من معه لتخلخلهم عنه، وشمروا عنه أصحابه إلى المحطة، وعزم أهل المحطة على الانهزام، وأحيط بأصحاب الإمام من كل جهة إلا ما يلي المضرب فلم ينالوه، واشتد القتال وحمي الوطيس، وكثرة القتلى، فلما نظر الإمام إلى زيادة القوم عليهم، ولم يصل من أصحاب الإمام إلى القوم سهم ولا حجر، إلا كل منهم يتقي على وجهه بيده، جعل عليه السلام يحمل على القوم فيلقونه جنوبهم ورماحهم، وسهامهم وما يهم أحد منهم أن يرد رأس فرسه، فحمل عليهم اسفاراً وكأنه يحمل على جبل من حديد، وقرب من القوم من المضرب، وأحاطوا فعند ذلك رفع الإمام عليه السلام يده إلى السماء وقال: اللهم إنه لم يبق إلا نصرك، وقال في نفسه: إن ظفر القوم بنا ظهر مذهب الباطنية، فارتفع في جميع البلاد، وهلك الإسلام المسلمون، فعند ذلك أرسل الله ريحاً عاصفاً من المشرق فقابل وجوه القوم فاسستبشر الإمام عليه السلام بالنصر من الله، وقال: إنها ريح فاحملوا ثم حملوا فانهزم القوم عنه، وأعطاه الله النصر عليهم، ومنح القوم أكتافهم، فانجلت المعركة خمسمائة قتيل وخمسمائة أسير، وقريب من ذلك، وما زالت الهزيمة في همدان إلى صنعاء، فتعلقوا بالحصون، وعاد الإمام عليه إلى محطة مظفراً سالماً، غانماً، وفي ذبك يقول شاعره القاضي محمد بن عبد الله الحميري القصيدة المعروفة في الإمام عليه السلام، ومن جملتها قوله:
|
فخمس مائين
حر منها وريدها |
وخمس ما بين أثقالها قيودها
وهي طويلة، وله عليه السلام مقامات كثيرة مشهورة، وميلنا إلى الاختصار، وكانت ولايته عليه السلام ثلاثاً وثلاثين سنة، وأصابه العمى بعد ذلك، وتوفى سنة ست وستين وخمسمائة بحيدان من أرض خولان، وقبره هنالك مشهور مزور.
وله عليه السلام في معنى كتابنا هذا ما لا يتسع لجميعه هذا الموضع غير أنا نذكر منه زبدة تدل على غيرها، قال عليه السلام في كتاب الحكمة: قد أجمع ذوو قربا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن الإمامة خاصة في الحسن والحسين وأولادهما، وكان إجماعهم حجة؛ لأن خلافهم خلاف المودة، ولم يودهم من خالفهم، وقد قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فقرن المحبة بالاتباع، فمن لم يتبعهم لم يحبهم، فصح ما قلناه.
وقال فيه يحكي قصة السقيفة: فلما اشتغل[191] أمير المؤمنين بما بنبغي له أن يشتغل به اجتمع المهاجرون والأنصار إلى سقيفة بني ساعدة، وتنافسوا في الملك، ونسوا ما أوصاهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمره باتباعهم لعلي عليه السلام في مواقف كثيرة، وأكاليم شهيرة.
وقال عليه السلام: وكان من جملة الظالمين من غصب علياً عليه السلام حقه، وأنكر سبقه، واستولى على الأمر الذي كان أولى به كأبي بكر وعثمان وعمر، ومن أعانهم على أمرهم، واحتج على نكثهم أيمانهم وإيمانهم بقول الله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} الآية، وذكر أنها نزلت فيهم.