وله عليه السلام فضائل مأثورة، وبركات مشهورة، من ذلك ما رواه مصنف سيرته عن جماعة من المسلمين ثلاثة معروفين بالصلاح في الدين، ينتهى إليهم في العدالة، قالوا: بينما نحن في المسجد الجامع قائلين إذ سقطت قطعة من المحراب لغير سبب نعرفه من الأسباب، وتبعه خرقة ملفوفة فنظرنا إليها فإذا هي غلاف قرطاس، فنشرناه فإذا فيه ملحمة رواها عبد الله بن محمد الطبري، عن الهادي عليه السلام يرفعه إلى علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، وذكر القائمين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، وما يكون منهم، وأعلامهم في الدولتين الأموية والعباسية، إلى أن انتهى إلى المتوكل على الله عز وجل، فذكر بيعته وصفته، وما يكون من أمره إلى نهايته مما لم يمكن هاهنا إيراده، ومن ذلك ما رواه مصنف سيرته عمن أثبت اسمه في كتابه أنه لما هبط إلى نجران من بلاد يام، أجهده وأصحابه العطش في مفازة من الأرض، لا يوجد الماء فيها إلا مسيرة يوم، قال: فوطنا النفوس على الموت، واحتسبناها في الله تعالى، فبدأ لنا صياف أو سحاب بين أيدينا، ولسنا نطمع بمطر فيه، ولا نرى أمارات المطر، فوقفنا على عذرات تفمق ماء عذباً فراحاً فشربنا منه، وحمدنا الله تعالى، وعلمنا أنه غياث لولي الله تعالى وابن نبيه صلى الله عليه وآله حتى قال: فما زالوا يخوضون الماء حتى هبطوا على نجران.
ومن ذلك أنه عليه السلام كان ببلاد بني بحر في وقت مطر شديد، فخرج وقت صلاة الفجر فطلب الماء فتعذر[188] عليه من الماء ما تطيب به نفوس، فطلب التيمم فتعذر للثق الأرض بالمطر، فقعد في موضع يفكر كيف يصنع بالصلاة، فالتفت عن يمينه فوجد تراباً جافاً مكتوباً من غير جنس تراب البلد جافاً وتحته الندى، فدعا أصحابه فجاؤه وتيمم وتيمموا وصلى بهم، وعرف أهل البلد القصة، فابتنوا على موضع التراب مسجداً هو باقٍ إلى الآن.
وحكى الإمام المنصور بالله عليه السلام عن الشيخ محيي الدين محمد بن أحمد بن الوليد رحمه الله أنه سمع قضية التراب من لسان الإمام المتوكل على الله عز وجل.
ومن ذلك ما ذكر الشيخ العالم سليمان بن يحيى الثقفي، وإن كانت هذه الرواية معروفة مشهورة مسموعة من غير واحد، أنه لما توجه يريد بلاد مذحج من طريق العائط على مدينة براقش، ومعه دليل من خولان العالية ففاته أول الناس، وهي بلاد بهما طامسة الأعلام، كثيرة الحر والسموم، فلحق بالإمام وقال: إن الناس قد ضلوا الطريق، وتوجهوا إلى مكان يقال له محرر لا ماء فيه، والناس يتلفون من العطش، فأمر من يردهم فلم يتأت ذلك، فسار في أثرهم حتى لحق أولهم آخرهم بواد محرر، وطلبوا الماء فلم يجدوا فحطوا رحالهم هنالك، وصلوا صلاة الظهر والعصر بالتيمم، وبلغ الناس الجهد من العطش، وصاروا يتصايحون ويقول أحدهم: من يسقيني ماء بقوسي، ومنهم من يقول: بثوبي، فلما رأى الإمام ذلك قام إلى الوادي فعلم فيه ثلاثة مواضع، وقال: احفروا فحفروا موضعين فلحقوا الماء على قامة وبسطة، فشرب الناس كلهم، وسقوا بهائمهم، وملأوا مزاودهم، وجميع أسقيتهم، وطهروا واستفاضوا، وأمسوا إلى الصبح، ثم طهروا وصلوا صلاة الفجر، فلما فضلا من الماء وصاروا في يعض الطريق رجع منهم قوم لشيء نسوه من أدواتهم، فأتوا وليس للماء أثر، ولا يقي منه شيء، فلحقوا الناس وأعلموهم، وكانوا من أهل الصدق والثقة والدين، فعجب الناس من كلامهم، وزادهم ذلك يقيناً في إمامته عليه السلام.
ومن ذلك أنه عليه السلام لما وصل إلى غيمل من بلاد الأنبا ومخلاف صنعاء، وأقبل إليهم ينو شهاب وفيهم أسعد بن عطوة، وله فرس عنده عزيزة فمرضت وكادت تتلف، وصارت ملقاة على شقها تجود بنفسها، فقرب عليه السلام إليها ونفث عليها، ودعا الله سبحانه أن يزيل ما نزل بها، فقامت من ساعتها كانها لم يكن بها بأس، فقادوها إلى صاحبها ما بها ريب، فطرح السرج والتجفاف وركبها، فازداد المسلمون يقيناً.
ومن ذلك أنه لما كان في بيت بوس وصلى صلاة الجمعة في مسجد بيت بوس، فلما فرغ من الصلاة والناس يزدحمون عليه، وينظرون إليه، ويستمعون مواعظه وكلامه وفوائده، فدخل عليه شيخ كبير يقوده أولاده، فسلم وقرب من الإمام عليه السلام، وشكا عليه الصمم في أذنيه، فنفث في أذنيه، ثم دعا له، ثم قام هو وأولاده إلى ناحية من جوانب المسجد، فإذا به يشهد ويكبر فقالوا له: مالك؟ فقال: إني سمعت في أذني انقاضاً كأنقاض الوصف فإذا بي أسمع ما يقال، ويحدث وحادثوه، وكلموه فحدثهم وأجابهم عن كل ما سألوه، وإذا به قد صار سميعاً بصيراً بعد أن شهد أولاده أنه كان لا يسمع الطبول والأصوات العالية، فعجب الناس لذلك عجباً شديداً، وزادهم إيماناً وتثبيتاً.
ومن ذلك أن غلاماً من مذحج يقال له دهمش، وكان[189] رئيساً شجاعاً، شاباً جاهد بين يديه في بلاد يام فاستشهد صابراً محتسباً، وتاب عند القتال، وكان قبل ذلك مسترسلاً كما يسترسل الشباب، فبقى أهله يتأسفون عليه من النار، فرضخت صبية صغيرة لها ثلاث سنين بحجر فشدخ رأسها فقالت: وهي تجود بنفسها لا تقبروني مع الكبار أهل النار، واقبروني مع الصغار أهل الجنة، وإن دهمش من أهل الجنة، وعليه صيام شهر رمضان، وهي لا تعرفه ولا تعرف ما عليه، فلما وصل الإمام إلى بلاد الغلام أمرت له والدة الغلام وقالت: إن دهمشاً أفطر شهر رمضان أفصوم عنه أم ماذا أصنع؟ فعجب الناس من ذلك، وعرفوا فضله.
ومن ذلك ما روى مصنف سيرته، وروى غيره ما مثاله وإن اختلف لفظه أنه عليه السلام لما خرج عليه السلام لحرب صعدة لما نكث أهلها أيمانهم، ونقضوا عهودهم، في عسكر عظيم من خولان وهمدان، حكى مصنف سيرته أنهم.........الفاً بين فارس وراجل، فلما علم أهل صعدة بإقبال الجنود، كبسوا الآبار وتركوا في بعضها..........جنود الإمام من الظمأ، ففزع إلى الله تعالى ودعا إليه بالغياث، فأنشأ الله سحابة وكان ذلك الوقت وقت حزيران فمطرت فمطراً لا نظن في مثله أنه يسيل، وعسكره بإزاء المكان ما كاد يصلهم إلا الشفاف، فما شعر الإمام حتى أتاه البشير يعلمه بنزول سيل عظيم حتى أحاط بمدينة صعدة، وبإزائه حفرة عظيمة تجاوز بعضها حد البرك الواسعة، فامتلأت ما فراحاً سمهجاً، فكان فيه شيء من البرد فصار يشبه ماء الثلج، فتقدم بعساكره المنصورة فحارب مدينة صعدة، فقهرها وأخذها عنوة، وتغنمت الجنود منها أموالاً عظيمة وخربها، وبمثل هذا المعنى أخبرني والدي شيخ آل الرسول بدر الدين الداعي إلى الحق المبين، محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى الهادي عليهم السلام، وكان مع الإمام المتوكل على الله عليه السلام مجاهداً يومئذ، حاضراً لقضية المطر والسيل، فحكى في حديثه أن الله سبحانه أنشأ سحابة............فوصل سيلها إلى الحفر التي هي بالقرب من المدينة، فشرب الناس ماء بارداً لذيذاً.
وروى رحمة الله عليه قول الإمام المتوكل على الله عليه السلام في ذلك الوقت: قد رضي الله جهادي، وما أعان إلا وهو يرضى به، أعانني بالريح والسيل في وقت الضحى إذ كنت أحرى به.
وله عليه السلام من الفضائل ما لو أردنا احصاؤه في مثل هذا الموضع لطال به الشرح، وله المقامات المشهورة التي شهدت له بأنه وحيد زمانه، شجاعة ورباطة جأش، إذ لا يعلم في زمانه من هو أشجع منه، مثل يوم قليس، وذلك أنه عليه السلام لما صار بذمار جمع خيلاً من جنب زهاء ثلاثمائة فارس، وعارضه عبد الله بن يحيى في سبعمائة فارس، فلما............لحاتم بن أحمد، وكان مع حاتم بن أحمد من همدان ونهد وسنحان خمسمائة فارس، وقريب من ثلاثة آلاف فارس وألف فارس، فلما بلغه عبد الله بن يحيى بمن معه واجتمعت جموعه نهض بهم للقاء الإمام عليه السلام إلى موضع يقال له: قليس، فوقع بينهم قتال شديد من أول النهار إلى آخره.