إحداها: في أيام الصاحب في سنة ثمانين وثلاثمائة، وبين الخرجة الأولى والخرجة الثانية سنون وفترات، ولم يكن في عصره من هو مثله في العلم والفضل والعبادة، والزهد والحلم، والسخاء والشجاعة، وكان محيطاً بأنواع العلوم، وله تصانيف كثيرة في الأصول والفروع، وكان ممن بايعه قاضي القضاة، وغيره من العلماء والفضلاء، وكان منهم الإمام الموفق بالله أبو عبد الله بن الحسين الجرجاني.
وكان عليه السلام في نهاية الورع والتحفظ على بيت المال، كثير التواضع للمؤمنين، والمواساة للمساكين، يلبس الخشن من الثياب، ويطوف الأسواق، ويتفقد أحوال المسلمين، وكان له من الشجاعة والشهرة وثبات القلب ما يجاوز به حد الشجعان من أهل عصره على كبر سنه، وضعف جسمه لكثرة العبادة، وله مقامات في الجهاد كثيرة، ومواقف مشهورة، وجد في جوشنه في بعض أيامه من أثر المزارق نيف وثلاثون موضعاً، ولقد لطمه عليه السلام رجل من الظلمة، فعن قريب اسدوت يداه، وأكلتهما الأكلة، وكان عبرة للناس، وما زالت تقرضهما حتى ذهبتا، ولما أظهر الله أمره، ونصره على عدوه، وذكر في مجلس بجرجان، وقال بعض من حضر أن الله سبحانه يعينه على الحق وينصره، فقال عياض التغلبي: ترى[182] من رب يعينه. وقال عقيب هذا القول بلا فضل: أوجعني في بطني، وتعلق ببطنه، وعاد داره، ومات من ليلته بلا خلاف في الرواية.
وكان عليه السلام ضابطاً لجيوشه، حسن السياسة لعسكره، فكانوا لا ينزلون على أحدٍ بغير إذنه، ولا يتناولون شيئاً من ثمار الناس إلا بثمن، ومكنه الله تعالى فهزم الظالمين وجنودهم في وقعات بيننه وبينهم.
فأما عدله وحسن سيرته في العباد والبلاد فيغني ظهوره عن شرحه، وليس هذا موضع استيفائه.
وتوفى عليه السلام في يوم عرفة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ودفن يوم الأضحى، وصلى عليه السيد مانكديم الأعرابي القزويني الخارج بعده بلنجا، الملقب بالمستظهر، وأديمت الختم على قبره من يوم دفنه إلى تمام شهر، وبنى عليه في لنجا، ومشهده بها مزور مشهور، وفيه يقول القائل:
|
عرج على قبر بصعدة وابك مرموساً بلنجا |
واعلم بأن المقتدي بهما سيبلغ ما ترجا
وكان عمره عليه السلام تسعاً وسبعين سنة، وله عليه السلام في معنى كتابنا هذا ما ذكره في دعوته فقال: ولم يسمعوا ما أنزل الله في أمير المؤمنين حين تصدق بخاتمه راكعاً، إذ يقول عز قائلاً: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.