وذل في أيامه العصيان
وشب بعد شيبه الزمان
هو الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قام داعياً إلى الله بعد أن جمع خصال الإمامة، وشروط الزعامة، وكان عالماً فاضلاً، ورعاً عابداً، سخياً حسن السياسة والتدبير، بعد أن اجتمع وجوه الناس من وجوه خولان، قوم يوم الأحد لثمان ليال خلت من صفر سنة إحدى وثلاثمائة، فاستعانوا به على أخيه المرتضى أن يقوم فيهم، فكره ذلك، فسألوا الناصر عليه السلام القيام فيهم، على ما كان والده فأجابهم، فكانت بيعته عليه السلام يوم الجمعة في مسجد الهادي عليه السلام الذي فيه قبره، وله في العلوم تصانيف جمة حسنة، فأظهر العدل في البلاد، ودانت له ملوك اليمن، واستولى على أكثر أعماله، وكانت له مع القرامطة وقعات لا تنحصر في هذا الموضع، آخرها الوقعة المشهورة في الموضع المعروف بنغاش من ظاهر بلد قدم، فإنه استأصل فيها شأفتهم، وأباد دعاتهم ورؤساؤهم، ولم ينحصر القتلى فيها، وكانت أعظم وقعة.
وروى عبد الله بن محمد الهمداني مصنف سيرته عليه السلام، وكان من أهل العلم والصلاح، قال: فلما قتلنا القوم وقعت فرسي في بعض تلك الأماكن، فشهدت على شعاب تجر دماً كما تجر بالماء، قال: ورأيت ظبياً مقتولاً، وأخبرني بعض أصحابنا أنه رأى ظبياً أو ظبين مقتولين في مكان آخر، وفقد من علمائهم ودعاتهم، وعلماء ضلالتهم أربعون داعياً، وخطب له عليه السلام بمكة، وتوطد ملك آل رسول في أيامه، وأنزل الله الخير في[174]دولته، وكانت أيامه تسمى السنين الخضر، لكثرة البركات والخير الواسع فيها، ولم يزل عليه السلام معزاً للإسلام، ناشراً للعدل في الأنام، قامعاً لأهل الضلالة والأثام، عابداً لله مقبلاً على طاعته، ومجاهداً في سبيله، حتى أتاه الله اليقين، سلام الله عليه وعلى آبائه الأكرمين.
وتوفى عليه السلام سنة خمس عشرة وثلاثمائة، فكانت مدة ظهوره عليه السلام نحو ثلاث عشرة سنة، ودفن بصعدة إلى جنب أخيه وأبيه، ومشاهدهم عليهم السلام هنالك مشهورة مزورة، وصار إليه ذو الفقار سيف جده علي عليه السلام من والده الهادي عليه السلام، وقد ذكر ذلك في قصيدة طويله ذكر فيها الأحوال فيما بعده وما ..............مما بعده ومن بعده فقال:
|
وشكى ذو الفقار إذا نعاني |
وأنتشروا
نعاتي مفصحينا
ومن قوله عليه السلام في معنى كتابنا هذا قوله عليه السلام في مسائل أبي إسحاق حيث قال عليه السلام قال الله عز وجل: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} فاعلمك الله عز وجل أنه لا يعقلها إلا العالمون، ولا علم لمن جهل معدن الحق، وقدر النبوة، وخيرة الإمامة.
وقوله عليه السلام في كتاب النجاة: وتعاموا عن قوله عز وجل: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب:33] والمطهر من الرجس لا يكون في دينه زلل، ولا في قوله ميل، ولا في تأويله للقرآن خطل، فلم يكن الله عز وجل ليطهر من يكذب عليه، فيكون من عانده أولى بالحق منه، وهو عز وجل أعلم بالمفسد من المصلح.