قالوا: قد كانت فضيلته؛ لأنه كان يسمع الناس بالتكبير عند ركوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسجوده، لضعف رسول الله صلى الله عليه وآله [162].
قلنا: يا سبحان الله ما أقبح ما يسندون إلى أبي بكر يزعمون أنه كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله، والله عز وجل يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} فإن كان أبو بكر فعل ما ذكرتم فيه فهي خطيئة لا فضيلة، يجب أن يستغفر له منها، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حال ضعفه أقوى من أبي بكر في حال قوته، وقد مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مراراً منها حين صرعه فرسه، فاعتل من ذلك عليه السلام علة شديدة، فلم يحتج إلى مسمع، وكان يسمع في أقصى المسجد وأدناه؛ لأنه كان لطيفاً جدوده اليوم معروفة.
ثم قلنا لهم: أخبرونا عن تأخير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر، هل يخلو عندكم من أحد وجهين، إما أن يكون الله أمره بتأخيره عن ذلك المقام بوحي أنزل عليه في تلك الساعة، فأزعجه ذلك وأخرجه مع شدة الحال والعلة، وضعفه الذي كان فيه، أو يكون رأياً رآه رسول الله صلى الله عليه وآله في أبي بكر، وعلى من قال بهذه المقالة بتأخير رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك المقام، على أي الوجهين كان، فكيف يجوز عندكم أن يؤخره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة وتقدمونه أنتم للإمامة، والإمامة تجمع الصلاة وغيرها من شرائع الإسلام، والإمامة قوام دين رب العالمين، والحجة لله ولرسوله على المسلمين، وقد قدم عمر صهيباً فصلى بالناس ثلاثة أيام، فلو كانت الصلاة حجة توجب لأبي بكر الإمامة، فلم يصل أبو بكر إلا صلاة واحدة، وصهيب صلى بالناس خمسة عشر صلاة، فيجب على قياسكم أن يكون صهيب أولى بالإمامة من الستة الذي جعلها عمر شورى بينهم، فنسأل الله التوفيق والهدى، ونعوذ بالله من الضلالة والعمى، ثم وجدنا أبا بكر قد أقام نفسه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأقامه من أقامه من هذه الفرق ذلك المقام، مستدلين منه زعموا بالصلاة والرشاد، والقيام بما في كتاب الله ومحكم تنزيله من فرائضه، والترجمة عنه، والقيام بالقسط في عباده وبلاده، وأمضى سيرتيه، والاقتداء بفعله، وكان أول ما نقض أبو بكر مما أسند إليه ما فعل بمحمد وأهل بيته، بعد شهادته وشهادة من أقام ذلك المقام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإبلاغ أو الأدى لما حمله الله سبحانه إليهم، وانه عليه السلام خيرهم نفساً وحسباً وتسباً، وإنما جاء من عند الله فحق وصدق، لا يحل لأحدٍ من المسلمين أن يحكم بغير ما في كتاب الله عز وجل، ولا بغير ما صح من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن تعدى ذلك إلى غيره فمخطئ وجاهل ضال، ومن تركه وهو يعلم أن الحق العمل به مستحقاً مطروحاً عنده فكافر ملعون، فكان من أبي بكر إطراح ما في كتاب الله عز وجل وحكم بغيره؛ لأن الله عز وجل قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} إلى قوله سبحانه: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} آية جامعة لم يخرج منها نبياً ولا غيره، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول من قصدنا الأذى ف ينفسه وأقاربه، وأول من شهد عليه بالزور، وأول من أخذ ماله، وأول من[163] روع أهله، واستخف حقهم، فروعوا وأذوا، وهم يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من روع مسلماً فقد برئت منه، وخرج من ربقة الإسلام)) وقال الله تعالى فيهم: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[الشورى:23] وقد فعل بفاطمة عليها السلام ما ذكرنا في كتابنا هذا وروسل الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، ويؤذيها ما يؤذيني)) فأذوها أشد الأذى، ولم يلتفت فيها ولا في أقاربه إلى شيء مما ذكرنا، فكانت حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله أول حرمة انتهكت في الإسلام، وكان أول مشهود شهد عليه بالزور، وكان ماله أول مال أخذ غصباً من ورثته بالدعوى التي ذكرها أبو بكر، والله عز وجل يقول غير ذلك، قال سبحانه وتعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} وقال تعالى فيما يحكى عن زكريا عليه السلام: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} فحكم الله سبحانه لأولاد الأنبياء بالميراث من آبائهم وقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة)) فتبت وترخت أيدي أقوام رفضوا كتاب الله، ونقلوا أضداده، ولو سألنا جميع من نقل من أصحاب محمد صلى الله عليه هل روى واحد منكم هم أحدٍ من أصحاب النبي عليه السلام أنه سمع من سول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما قال بو بكر لقالوا: اللهم لا، ثم جاءت بعد ذلك أسانيد قد جمعها الجهال لحب التكثير لما لا ينفع من عائشة.
وعن ابن عمر فنظرنا عند ذلك إلى أهل هذه الأحاديث التي أسندوها إلى عائشة وإلى ابن عمر فإذا عائشة تقول: سمعت أبا بكر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة)) وإذا هذه الأسانيد المختلفة ترجع إلى أصل واحدٍ ولم يوجد واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يشهد بمثل شهادة أبو بكر في الميراث فدفع أبو بكر فاطمة عليها السلام عن ميراثها بمثل هذا الخبر الذي أسند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا الخبر ينقض كتاب الله عز وجل، وكان في كلام فاطمة عليها السلام لأبي بكر بيان لمن خاف الله سبحانه أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئاً فريا، ثم انصرفت عنه، ومن أعجب العجائب أن هذه الأمة أجمعوا على أن من ادعى دعوى لنفسه، أو ادعوا له فيها حق أن شهادته لا تقبل حتى يشهد على ذلك شاهدان عدلان لا دعوى لهما فيما شهدا فيه، وأجمعوا أيضاً أن الإمام لا يحكم لنفسه بحق دومن أن يشهد به غيره، واحتجوا في ذلك بدرع أمير المؤمنين عليه السلام أنه سقط منه يوم الجمل فاعترفها من رجل من النصارى فقال: درعي، لم أبع ولم أهب، فقال الرجل: درعي، فقال له علي عليه السلام: تخاصمني وتحاكمني إلى شريح، فتحاكما إليه فقال شريح: من كان في يده شيؤ فهو أحق به حتى يقم المدعي البينة شاهديك يا أمير المؤمنين فضحك أمير المؤمنين عليه السلام وقال: والله لو غيرها قلت لما حكمت بين اثنين، فأحضر أمير المؤمنين شاهديه، فاستحق درعه، ثمن وهبها للذي وجدها معه بعد الاستحقاق، ثم الناس على ذلك إلى يومنا هذا، لا تقبل شهادة الرجل لنفسه[164] ولا يحكم لأحدٍ على أحد في دعوى يدعيها عليه إلا بشاهدين عدلين غير فاطمة عليها السلام، فإنه حكم عليها بغير ما حكم به على جميع الخلق، وانتزع من يدها ما كانت تملكه وتحوزه من ميراث أبيها ومالها من فدك المعروف لها بلا شهود، إلا بما ادعى أبو بكر لنفسه وللمسلمين من الصدقة عليهم، بأموال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أبو بكر المدعي لنفسه ولأصحابه أموال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو أن رجلاً من سلاطين الجور في وقتنا هذا ادعى مالاً لنفسه ولأصحابه، ثم قال: أنا أشهد لنفسي ولهم إذ لم أجد شاهداً غيري، وأنا أحكم لي ولهم إذ لم أجد حكماً غيري، واقبض هذا المال لي ولهم ممن يحوزه وممن هو معه، وسمع بهذا الخبر مجنون لا يعقل، أو صبي لا يفقه لأنكر ذلك، ولعلم أنه أظلم الظلم، وأجور الجور، وقد جوز هذا من ينتحل المعرفة والدين افتراء أنهم جهلوا ما في هذا من المنكر والفضيحة، لا ما جهلوا ذلك، ولكنهم أغضوا على ما علموا بغضاً الله ولرسوله ولأهل بيته، وتحاملاً عليهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ثم إن أبا بكر عمد إلى أن يقوم هذا الذي له ولأصحابه، فأوقفه على نفسه وولده ولده وعلى أصحابه، وأولادهم وأولاد أولادهم مؤبداً إلى أن تقوم الساعة، وترك أهله أجمعين جايعين ضارعين، فقد أول ذلك الظالمون ظالم بعد ظالم عليهم لعنة الله من يومهم ذلك إلى يومنا هذا، يصرفونه حيث يشاؤا يعيش في الفاجرون، ويتخذونه معوناً للفاسقين، يشرب به الخمور، ويرتكب به الذكور، ويستعان به على الشرور، وأهله أهل بيت الحكمة، ومعدن الخيرة، وموضع الفضل، ومنزل الوحي، ومختلف الملائكة مبعودون عنه مظلومون فيه، مأخوذ من أيديهم ظلماً، ومغتصب غصباً، ثم يقول: همج من الناس رعاع صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطونا منها شيئاً نتبارك به، مستبصرون في الحيرة والعمايا، لهم الويل متى تصدق بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن رأوه عنه، أم من شهد أمن أقر بهذه الصدقة من أهل بيته فيأخذون زعموا ما يتباركون به منها، مستبصرين في الجهالة والخطايا لله، لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصدق بها ما أخفى ذلك عن أمته، ولكان الشاهد بها كثيراً من أصحابه، وأهل بيته، ولما خفي هذا الفعل لمن هو دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف به وأثره نقص، وفعله تتبع في الدقيق والجليل، ولكان علم ذلك عند علي عليه السلام وفاطمة رحمة الله عليها، والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، ولقد كان فيهم من الفضل والورع، والدين والمعرفة بالله سبحانه، والاقتداء برسول الله عليه السلام يطلبون ما ليس لهم، ومع هذا شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالثقة والأمانة، وأنهم من أهل الجنة، فكيف يجوز على من هذه صفته أن يطلب ما ليس له، وهم الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقطع أبو بكر حقهم ودفعهم عن ميراثهم، وطلب من فاطمة عليها السلام الشهود على أن فدكاً لها وهي في يدها، ولم يطلب من نفسه ولا من أصحابه شهوداً على ميراث محمد عليه السلام حين قبضه، وجازه على أصحابه[165] فيا للعجب من قبضه ما ليس بيده، ولا له شهود ولا بينة، وطلب البينة والشهود من فاطمة عليها السلام على ما هو بيدها ولها، وقد أجمعت الأمة على أن كل من كان في يده شيء فهو أحق به حتى يستحق بالبينة العادلة، فقلب أبو بكر البينة عليها فيما كان في يديها، وإنما يجب عليه هو وعلى أصحابه فيما ادعا له ولهم، فحكم علي فاطمة عليها السلام بما لم يحكم به على أحدٍ منهم أهل الإسلام، ومنعت ميراث أبيها وشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يورثها، والله قد ورث الولد من والده نبياً كان أو غيره، وذلك قوله تبارك وتعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} وقول زكريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} فلما لم يجد بداً من أن يركبها من العنف ما أركبها جاءت بعلي والحسن والحسين، وأم أيمن عليهم السلام يشهدون لها، فقال: لا أقبل شهادتهم؛ لأنهم يجرون بها المال إلى أنفسهم، وأم أيمن امرأة لا أقبلها وحدها، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشهد لهم بالعدالة والثقة، والخير والعفة، والأمانة والجنة، فأي تزكية أو تعديل بعد تعديل رسول الله وتزكيته، فقد أجمعت الأمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه جاء رجل فقال: يا رسول الله، أوصي بمالي كله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا)). فقال الرجل فبنصفه؟ فقال: ((لا))، قال: فبثلثه، قال: ((نعم، والثلث كثير)) فكيف ينهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس عن الوصية بالمال كله، ويحرم ذلك عليهم رأفة منه ورحمة لمن يخلفون من أولادهم، ويوصي هو عليه السلام بماله كله، وهو أرأفهم وأرحمهم، فيا سبحان الله العظيم ما أقبح هذا الذي أسند إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم، وأفسده، فيا للضلالة والعما يقول أبو بكر يجرون إلى أنفسهم وهم يشهدون لغيرهم، ولا حق لهم في مال فاطمة عليها السلام إلا من بعد موتها، وإنما يجر إلى نفسه من شهد بمثل شهادة أبي بكر لنفسه بشيء في يد غيره، وعلى من شهد معه لا حق لهم في مال فاطمة إلا بعد موتها، وأي عجب أعجب مما ذكرنا، فمضى حكم أبي بكر وولايته على ما وصفنا من تلاعبه بالدين والمسلمين، حتى إذا حضره يومه عقدها لعمر من بعده، وأمر المسلمين بالبيعة له والطاعة، وأجلسه مجلسه، وأقامه مقامه، وقال للمسلمين: هذا إمامكم بعدي، وهو بالأمس وصاحبه ومن قال بإمامته يقولون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يول أحداً بعده، لا نصاً ولا إشارة، وترك المسلمين يختارون لأنفسهم، وأن الواجب على كل إمام أن يفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الناس يختارون لأنفسهم، وأن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة وبه القدوة، فمن رغب عن سنته، أو تعدى عن فعله فمخطئ ضال، وأنه ليس لأحدٍ من الناس إماماً كان أو غيره أن يتعدى ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول بغيره، وكانوا بهذا يحتجون على من قال أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصب علياً بعينه، فخالف أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل بغير فعله، وصوبه عمر وجميع أصحابه، وأطاعوه على ذلك[166] فإذا به وبعمر وأصحابهما، تداخلوا ما حرموا، وتركوا ما أضلوا، وشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال، والخلاف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأفسدوا بفعلهم عقدهم الذي عقدوه، وإضلالهم الذي أضلوا، فاستغنى من خالفهم عن الطعن عليهم بطعنهم على أنفسهم، فأي بلية أشد أو عظيمة أجل مما أسند هؤلاء القوم إلى أنفسهم من الضلالة والعمى، فلما هلك أبو بكر نهض صاحبه الذي نصب فنظر فيما سار به أبو بكر وحكم به، فلم يرض بكل سيرته، ولا بكل حكمه، فرد مما حكم به كثيراً من ذلك الذي كان سباه أبو بكر حتى يخلصه من أيدي الناس بعد البيع والشرى، وبعد أن ولد كثير منهم فخالفهم عمر أنه لا يأخذ ذلك السبي، ورأى أن أبا بكر مخطئ في سبيهم، فأي بلية أو عظيمة أجسم وأكبر، وأجل وأعظم مما أتا به أبو بكر، إن كان الأمر في أبي بكر على ما ذكر عمر، وعمر إذ ذاك يصوب أبا بكر في سبيه وفعله في حياته، ويطعن عليه في ذلك الفعل بعد وفاته، وكثير من أحكام أبي بكر قد ردها عمر في ولايته، وعابها عليه يغني هذا الخبر عن ذكرها، إذ كان فعلاً وطئ به الفرج الحرام وسفك به الدم الحرام، فالويل لمن فعل ذلك، فيا للعجب هل يخلو من عمر في طعنه على أبي بكر من أحد وجهين، إما أن يكون أعما خلق الله قلباً، وأقلهم عقلاً، وأسخفهم ديناً، إذ خفى عليه أفعال أبي بكر في حياته، التي تنبه لها بعد وفاته، ويكون بها عالماً، وهو يستعمل النفاق مع أبي بكر في دين الله، ويصوب أبا بكر في أمور يفعلها، وهي عند الله سبحانه سخط، فإن كان هكذا فليس لعمر في الإسلام حظ إن كان رضى أبي بكر أعظم عليه من سخط الله وسخط رسوله، فالله المستعان على هذه الأمور، وكان مما أمضى عمر من أحكام أبي بكر أخذ أموال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانفاذها على ما فعل، ودفع ورثه فاطمة عليها السلام من ميراثها وعن فدك، وكان يكثر الطعن على أبي بكر في جميع أسبابه حتى حضر يومه، فرأى عند ذلك أن ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي شهد به أنه ترك الأمة لتختار لأنفسها خطأ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورأى أن خلافه في ذلك حزم منه، وأن الذي فعله صاحبه فيه من تقليده الأمور، ونصبه له خطأ أيضاً، وأن غيره حير منه، فعزم على ترك الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبصاحبه الذي كان يتمنى في حياته أن يكون شعرة في صدر أبي بكر، وجعلها عمر شورى بين ستة نفر زعم أنهم خير من على وجه الأرض من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا لهم وفيهم؛ لأنهم بقية العشرة السابقين الأولين الذين حضروا بيعة الفتح وبيعة الرضوان، تحت الشجرة، وأن الله عز وجل أنزل فيهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}[الفتح:18] وزكاهم ومدحهم، وشهد لهم بالثقة والأمانة، حتى إذا فرغ مما ذكرنا قال: احفظوا وصيتي يا معاشر المسلمين، ولا تضيعوها، إن أبا هؤلاء الستة أن ينصبوا رجلاً منهم فيسمعوا له ويطيعوا له في ثلاثة أيام فاضربوا أعناقهم، فإن اختلفوا وأجمع منهم ثلاثة ولم يجمع معهم الباقون فاضربوا أعناق الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإن اجتمع أربعة وخالف اثنان فاضربوا أعناق الاثنين، وذ لك بعد ما شهد لهم بما ذكرنا من الإيمان والمعرفة، ثم يأمر بضرب أعناقهم على غير جرم اجترموه، ولم يحل الله سبحانه دم مؤمن كما أحل عمر، قال الله تبارك[167] وتعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من شرك في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله تعالى)).
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: ((من راع مسلماً فقد برئت منه ربقة الإسلام)) وعمر إذ ذاك كان غير ملتفت على شيء من ذلك، ويقتل خير من على وجه الأرض بزعمه، فيا للعجب من هذه الأحكام المختلفة، والأقاويل التي هي غير مؤتلفة، والتلاعب بالدين حتى كأنهم أيسوا، فبأي حجة وبأي معنى أو خطية أراد عمر قتل هؤلاء الستة، وما كانت حجته عند الله ورسوله لو وقع القتل، وكيف كان يكون حال الأمة التي تبقى بعدهم، وزعم أنه أراد بقوله: اقبلوا ما هو أصلح للأمة، أفلا ترى على قوله وقياسه أن الأمر لو تم لكان فيه دمار الأمة وهلاكها، إذ بقيت سائبة بلا راعي، فما أقرب النظر، وأكثر العمى والتخليط، وأبين فضيحة القوم عند من عرف وفهم وأنصف، نسأل الله التثبيت واليقين إنه على كل شيء قدير.
وتوفي عليه السلام بصعدة يوم الأحد لعشر باقية من ذي الحجة، آخر سنة ثماني وتسعين ومائتين، ودفن يوم الاثنين قبل الزوال، ومضى عن ثلاث وخمسين سنة، وقد كان اعتل علة شديدة، إلا أنه مضى وهو جالس لم تتغير جلسته، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام، ودفن عليه السلام في عدني المسجد الجامع بصعدة، وقبره مشهور مزور، وفيه يقول بعض الشعراء:
|
عرج على قبر بصعدة وابك مرموساً بأمل |