وقال عليه السلام في الأحكام أيضاً: وأوثق وثائق الإسلام أن آل محمد لا يختلفون إلا من جهة التفريط، فمن فرط في علم آبائه، ولم يتبع علم أهل بيته أباً فأبا حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم شارك العامة في أقاويلها، وتابعها في كل شيء تأويلها، ولزمه الاختلاف لا سيما إذا لم يكن ذا نظر وتمييز، ورد لما ورد عليه إلى الكتاب، ورد كل متشابه إلى المحكم، وله عليه السلام كتاب تثبيبت الإمامة وهو:

بسم الله الرحمن الرحيم

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} لا نشرك بالله شيئاً، ولا نتخذ من دونه إلهاً ولا ولياً، نحمده على ما خصنا به من نعمه، ودلنا عليه من طاعته، واستنقذنا به من الهلكة برحمته، وبصرنا به من سبيل النجاة، وابتدأنا به من الفضل العظيم، والإحسان الجسيم، بمحمد البر الرؤف الرحيم صلى الله عليه وآله وسلم، ارسله إلينا فكان كما قال عز وجل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فبلغ عليه السلام رسالة ربه، ونصح لأمته إذا ما أوتمن عليه، واحتج لله عز وجل، ودعا إليه بالموعظة البالغة، والحكمة الجامعة، واجتهد في أمره، واحتمل الأذى في دينه، واصطبر على كل محنة وبلوى حتى قبضه الله إليه، وقد رضي فعله، وشكر سعيه، وغفر ذنبه فقال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}[الفتح:1-2] فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد بين لأمته، وأدى إليهم جميع ما يحتاجون إليه مما فرضه الله عز وجل عليهم في محكم تنزيله على لسان نبيه، ورسوله من الحلال والحرام، والحدود والمواريث والأحكام، والأمر والنهي، فقبض وليس لأحدٍ على الله حجة، بعد ما كان منه صلى الله عليه وآله فيمن كان قبله من الأنبياء عليهم السلام، رسلاً مبشرين منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل، فترك صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرهم من كتاب الله الكريم حجة عليهم، وما فيه بيان ما يحتاجون إليه، وما يعملون به هدى وشفاء لما في الصدور، فيه أصل كل شيء وفرعه، كما قال سبحانه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وكيف يجوز أن يكون فيه تفريط، وهو جامع لما افترض الله سبحانه على عباده، وفي كل آية منة لله سبحانه، حجة وبيان لما حرم وأحل، وحد وفرض، فلم تزل منه آية لم تذهب منه سورة، لما ذكرنا من إكمال الحجة[157] على عباده، وذلك قوله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وقال سبحانه: {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} فما حفظ الله فغير ضائع، وما جاء فغير ذاهب، فعند فقد الأمة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ضيع الكتاب، وما افترض الله عليهم، فلم يعمل بما أنزل الله فيه، ولم يلتفت إلى شيء مما جرت به الأحكام عليه، واختلفت الأمور عند قبضه عليه السلام، وانقصمت الظهور، وبدت من الأقوام عليه وعلى عترته ما كانوا يخفون من ضغائن الصدور، وتكلم كل بهواه، وجاء كل بحديث ينقض به حديث صاحبه، كل يزعم أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله مع ما في تلك من خلاف محكم التنزيل، لما في كتاب الله الجليل، يعلمون ذلك وهم راضون في المحكم بغير ما فيه، وقد أجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم: ((سيكذب عليَّ كما كذب على من قبلي من الأنبياء  عليهم السلام، فما جاؤكم عني فاعرضوه فما وافق كتاب الله فهو مني، وأنا قلته وإن قالوا لم تقله، وما خالف كتاب الله فليس مني ولم أقله وإن قالوا قاله)) ثم افترقت هذه الأمة بعد ما كان منها مما ذكرنا على أربع فرق، كل فرقة تكفر الأخرى، فيمن يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وفرقة تقول نصب رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب للمسلمين إماماً، نصبه نصباً، ونصه نصاً، باسمه ونسبه، ودعا إليه، وحث عليه، وافترض طاعته، وفرقة أخرى تقول أومى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي إيماء، ودل عليه وأشار إليه، وقال فيه أقاويل تشهد له بالعدل، ويستوجب بأقلها الإمامة، واحتج بحجج كثيرة فيه، فقد ذكرنا هنالك في كتاب غير هذا، وفرقة قالت أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أن يصلي بالناس، والصلاة عماد الذين.

فقلنا: عندما انتجبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إماماً للصلاة أنه أخير أصحابه وأنه حقيق بالإمامة، وأكثروا الحجج والخطب في أمر الصلاة، وسأذكر ذلك والحجة عليهم فيه في مواضعه إن شاء الله تعالى، وقالت الفرقة الرابعة وهي جل الناس لا نعرف من هذه الأقاويل شيئاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض ولم ينصب أحداً ولم يؤم إلى أحدٍ، ولم يأمر أحداً بالصلاة، فترك الأمة تختار لأنفسها من رأوا أنه أفضلهم، وأحسنهم وأعلمهم عن الله وعن رسوله، وعن كتابه، وزعموا أن ذلك فرض على كل إمام واجب أنه لا يحل للإمام أن يعقد الإمامة لأحدٍ بعده؛ لأن في ذلك خلافاً لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولما فعل وإن من فعل ذلك كان ضالاً مخطئاً، واحتجوا فيما ادعوه بأحاديث عن النبي عليه السلام.

ومنها ما زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لئن تختاروا لأنفسكم أحب إليَّ من أن أولي عليكم والياً إن أحسن كان لنفسه وإن أساء كان مني، وكانت الحجة لكم غداً، واحتجوا بأحاديث مثل هذا، يغني ذكر هذا عن ذكرها، ثم زعموا أن الناس اجتمعوا على أبي بكر فقلدوه الأمر، واأقاموه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وادعوا له قياماً بأمر الله، واستصلاحاً لما تحتاج إليه الأمة، فسألنا هذه الفرق الأربع هل أجمعتم على ما ادعت هذه الفرقة من إمامة أبي بكر، فقالت فرقتان معاذ الله فكيف ونحن نقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله نصب إماماً، وأشار إليه وادعت[158]فرقتان منهم الإجماع معهما فبطل قول من قال بالإجماع بخلاف هاتين الفرقتين، ثم سألناهم عن الاختيار لأبي بكر أكان أمراً من رسول الله صلى الله عليه، وعهداً إلى أقوام بأعيانهم ليتخاروا إماماً منهم، يقوم مقامه، ام جعل الاختيار عاماً إلى الناس كلهم، قالوا: بل إلى الناس كلهم، فقلنا: فهذا الاختيار كان ممن كان بالمدينة، من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله اثنى عشر ألفاً، وغابت بالمواضع التي ذكرنا الوف لا تحصى، وأهل الدار والمهاجرون إليها، الذين حضروا مختلفون لم يجتمعوا ولم يحصروا، وعددهم ما رسمنا، ولقد حضر السفينة من أصحابه عليه السلام ثلاثمائة جلهم من الأنصار، وذلك ربع عشر أصحابه، فهل اجتمعوا، فإن قالوا: نعم قلنا فيا سبحان الله كيف الإجماع والأنصار، تقول منا أمير ومنكم أمير، وأين الإجماع، وسعد بن عبادة وابنه وعصابة معهم أنكر البيعة، وسعد يصيح يا علي صوته عند البيعة، يا معاشر الأنصار املكوا أيديكم قليلاً، والناس كلهم الذين حضروا السقيفة  يهرجون لم يقع الرضى من جميعهم، حتى وثب أوس بن خولي فقال لأبي بكر: ابسط يدك أبايعك عندما سمع من قول الأنصار منا أمير ومنكم أمير مخافة أن يتم هذا القول، فتقدم الأنصار سعد بن عبادة، فيكون أميراً ويكون الأمر في الخزرج، وتبقى أوس بن خولي وعشيرته سوقه، وهم الأوس، فدخله الحسد للحزرج ولسعد، ولما كان بينهم من الضغائن والحروب التي كانت في الجاهلية التي رفعها الله عليهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سعد عظيم القدر في الأنصار وفي العرب، وكانت إذا اجتمعت الأنصار قدمت سعداً، وإذا افترقت قدمت الخزرج سعداً، وقدمت الأوس أوساً، فدخل أوساً الحسد لسعد وللخزرج، وخاف إن تم ذلك أن يحمل هو وعشيرته فبادر بالتسليم والبيعة؛ لأن يكون أقطع للكلام الذي يخافه منا أمير ومنكم أمير، وبايعه الأوس ومن حضر، ثم نهض أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، ومن نهض منهم من أهل السقيفة، محتزمين بالإزر معهم المخاصر، لا يمرون بأحدٍ ولا يلقونه إلا خبطوه، وقالوا: بايع غي أن تشاورة أو تعلم خبراً، فأين الإجماع من هذا الفعل، وأين الإجماع وعمر بن الخطاب يقول على المنبر: إن بيعو أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه، والفلتة هي النهزة والخلسة، والاغترار والمبادرة، وكيف يكون الإجماع على شيء انتهزه، وبودر واختلس من أهله اختلاساً، ثم يوجب على فاعل ذلك القتل، فلا يجب إلا على أحد ثلاثة، إما كافراً بعد إيمان، أو زانٍ بعد إحصان، أو قاتل النفس بغير الحق، ولم يكن في هذا الفعل شيء من الخصلتين الآخرتين، وإنما أوجب القتل على من كانت بيعته مثل بيعة أبي بكر؛ لأنه عنده قد كفر، وخرج من الإسلام بفعله، فاوجب بهذا القول على نفسه، وعلى صاحبه الكفر بالله، والقتل؛ لأنهما أضل هذ الفعل وفزعه، فيل للعجب ممن يسمع مثل هذه الأمور المتناقضو، ولا ينفعه سمعه، وأين الإجماع وقد طلع أبو بكر المنبر بعدما عقد له، فوثب اثنى عشر رجلاً من خيار أصحاب محمد عليه السلام منهم عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وأبو[159] الهيتم بن التيهان بن حنيف، وأخواه الأنصاريان، ومعهم غيرهمك ممن اختلف في اسمه، فقالوا لأببي بكر: الله الله في سلطان آل محمد، لا تخرجه من بيته، إلى بيوتكم، ولا تأخذ ما ليس لك، ولا تقعد في غير موضعك، فإن أهل بيت النبوة أحق بهذا الأمر منك، ولم يأخذه من أيدي العرب الذين هم أشد عنا في الإسلام إلا بقرباك من محمد، وهم أقرب منك مع كلام كبير يتكلم به كل واحدٍ منهم، يعنفونه ويوبخونه، فقد فراغهم من كلامهم أرسل نفسه على المنبر، ولزم بيته يومه ذلك، ولم يأمر ولم ينه، فلما كان من الغد غدا إليه عمر وسعد وعبد الرحمن وطلحة وغيرهم من قريش كل رجل منهم في أهل بيته في السلاح الشاك، وأحرجوه حتى أقعدوه على المنبر، ثم قالوا قل ما بدلك ثم سلوا السيوف، وقعدوا تحت المنبر، ثم قالوا: والله لئن عاد أحد يتكلم بشيء مما تكلم به رعاع بالأمس لنضعن أسيافنا فيه، فأحجم الناس وكرهوا الموت، فلم يتكلم أحد، وأين الإجماع وبنو هاشم إليهم يرجع الشرف، والذكر والقول في الجاهلية والإسلام، ولم يبايع منهم أحد، ولم يشهدوا ولم يشاوروا علي عليه السلام لازم بيته، قد أبى أن يخرج معهم، وأبة أن يحضر وقد أرسلوا إليه ثلاثة رسل رسولاً بعد رسول، أن اخرج فبايع خليفة رسول الله، فرد عليهم ما كان أسرع ما كذبتم على رسول الله، ثم عاد الرسول ثانية، فقال: أحب أمير المؤمنين تبايعه، فقال سبحان الله ما أجرى من تسمى بما ليس له، ثم رجع إليه ثالثة فقال: أجب أبا بكر فقد أجمع السملمون وبايعوه، فبايعه أنت، وادخل فيما دخل فيه الناس، فقال أبو بكر لعمر: انهض في جماعة فاكسروا باب هذا الرجل، وجونا به يدخل فيما دخل فيه الناس، فنهض عمر ومن معه إلى باب علي عليه السلام فدقوا الباب فدافعته فاطمة صلوات الله عليها فدفعها وطرحها فصاحت يا عمر أخرجك ومن معك بخرج الله أن لا تدخل علىَّ بيتي فإني مكشوفة الشعر مبتذلة، فقال لها: خذي ثوبك، فقالت: مالي ولك، ثم قال: خذي ثوبك، فإني داخل فأعادت عليه القول فدفعها ودخل وأصحابه، فحالت بينهم وبين البيت فيه علي عليه السلام، وهي ترى أنها أوجب عليهم حقاً من علي لضعفها وقرابتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوثب إليها خالد بن الوليد لعنه الله فضربها بالسوط على عضدها حتى كان أقره في عضدها مثل الدملج، فصاحت عند ذلك، فخرج عليهم الزبير بالسيف ، فصاح عمر دونكم الليث، فدخل في صدره عبد الله بن ربيعه فعانقه وأخذ السيف من يده وضرب به الحجر حتى كسره، فدخل البيت فأخرجوا علياً عليه السلام ملبوباً متعلقاً به جماعة منهم، حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقالوا له أبو بكر بايع، قال: ما أفعل، قال له عمر: ما تفارقنا أو تفعل، فقال له علي رضي الله عنه: احلب حلب لك شطره شدها له اليوم يردها عليك غداً، فأين الإجماع من هذا الخبر، وأين الإجماع وكثير من أصحاب محمد عليه السلام قد أبو البيعة، منهم خالد بن سعيد وكان ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زبيد حين أرثد عمرو بن معد كرب وأخرج النبي صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب لحربهم، فلما هزمهم وأمكن الله منهم ولى عليهم خالد بن سعيد، وكان على مقدمته، فلم يزل فيهم حتى قبض رسول الله[160] صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قدم بزكواتهم فدفعها إلى علي بن أبي طالب، وأبى أن يسلمها إلى أبي بكر، فأرسل أبو بكر إلى علي فقبض منه الزكاة، ودعا أبو بكر خالد بن سعيد للبيعة فأبى، فأمره باللحوق بأطراف الشام، ثم زعم أصحاب الحديث والأخبار أنه أمر بقتله، فقتل، وزعم بعضهم أنه قتل في وقعة كانت هنالك، والصحيح أنه لم يكن ثمة وقعة وغيره ممن لم يبايع كثير، وكيف تنعقد بيعة لمن هو في بيعة غيره، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وجه أبا بكر وعمر وغيرهما في جيش أسامة بن زيد قبل وفاته صلى الله عليه وآله، وأمرهم يسمعون له ويطيعون، ويصلون بصلاته وياتمرون بأمره.

وقال صلى الله عليه وآله: ((أنفذوا جيش أسامة، ولا يتخلفنَّ أحد منكم، إلا من كان عاصياً لله ولرسوله)) فلما صار أسامه بعسكره على أميال من المدينة، بلغهم مرض رسول يالله صلى الله عليه وآله، فرجع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فلما دخلو على رسول الله صلى الله عليه وآله تغير لونه، وقال: ((اللهم إني لا أذن لأحدٍ أن يتخلف عن جيش أسامة)) وهم أبو بكر بالرجوع إلى أسامة واللحوق به، فمنعه عمر، ولهما أخبار كثيرة موجودة في خبر جيش أسامة، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغل يعلي بن أبي طالب في جهازه، ودعا عمر إلى بيعة أبي بكر، ولم يلتفتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فرغوا من أمرهم، وقال عمر لأبي بكر: اكتب إلى أسامة بن زيد يقدم عليك، فإن في قدومه عليك قطع الشنعة عنتا، فكتب إليه أبو بكر:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أسامة بن زيد أما بعد: فانظر إذا أتاك كتابي هذا فاقبل إليَّ انت ومن معك، فإن المسلمين قد اجتمعوا علي وولوني أمرهم، فلا تتخلفن فتعصني، ويأتيك ما تكره والسلام.

فأجابه أسامة بن زيد وكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أسامة بن زيد عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على غزوة الشام إلى أبي بكر بن قحافة، أما بعد: فقد أتاني كتابك ينقض أوله آخره، وذكرت في أوله أنك خليفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرت في آخره أن الناس قد اجتمعوا عليك وولوك أمرهم، ورضو بك، واعلم أني ومن معي من المهاجرين والأنصار، وجميع المسلمين ما رضنياك ولا وليناك أمرنا، فاتق الله إذا قرات كتابي هذا، واقدم إلى ديوانك الذي بعثك فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تعصه، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله فإنهم أحق به منك، وقد علمت ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه السلام يوم الغدير، وما طال العهد فينسى، فانظر إن تلحق بمركزك ولا تتخلف فتعي الله سبحانه ورسوله، وتعصي من استخلفه رسول الله  صلى الله عليه وآله عليك وعلى صاحبك، فإن رصسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استخلفني عليك ولم يعزلني، وقد علمت كراهية رسول الله صلمن لرجوعك مني إلى المدينة، وقال: لا يتخلف أحد من جيش أسامة إلا كان عاصياً لله ولرسوله، فيالك الويل يابن قحافة تعدل نفسك بعلي بن أبي طالب عليه السلام، وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وابن عمه وأبو ولديه، فاتق الله أنت وصاحبك، فغنه لكما بالمرصاد[161] وأنتما منه في غرور، والذي بعث محمداً بالحق نبياً ما تركت أمة وصية رسولها، ولا نقضوا عهده إلا استوجبوا من الله تعالى اللعنة والسخط، فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر هم أن يخلعها من عنقه، فقال عمر: لا تفعل، قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم، فقال له: يا عمر أكفر بعد إسلام، فألح عليه عمر وقال: اكتب إليه وأمر فلاناً وفلاناً جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتبوا إليه أن أقدم ولا تفرق جماعة المسلمين، فلما وصلته كتبهم قدم المدينة، ووصل إلى علي عليه السلام فعزاه برسول الله، وبكا بكاء شديداً، وضم الحسن والحسين عليه السلام إلى صدره، وقال: يا علي ما هذا؟

قال: هو ما ترى، فما تأمرني، فأخبره بما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله من تركهم جتى يجد أعواناً، ثم أتا أبو بكر إلى أسامة وسأله البيعة، فقال له أسامة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني عليك أنت من أمرك عليَّ، والله لا أطيعك أبداً ولا حللت لك عهداً، فلا صلاة لك إلا بصلاتي، أفلا يرى من عقل أن أسامة أمير على أبي بكر، وهو أحق بهذا الأمر وأولى منه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو عليه أمير لم يعزله عن امرته، فأين الإجماع والرضى مع هذه الأخبار، ولقد قال أبو قحافة حين ذكر علياً فقالوا: ابنك أسن من علي عليه السلام. فقال: أنا أسن من ابني فبايعوني ودعوه.

ثم رجع القول إلى الفرقة التي أثبتت إمامة بأبي بكر من جهة الصلاة بالناس، فسألناهم البينة من غير أهل مقالتهم على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر بالصلاة بالناس، فلم يأتوا بالبينة على ذلك، وأجمعت الثلاث الفرق التي خافتهم أن عائشة هي التي أمرت بلالاً عندما أذن رسول الله بالصلاة فقال له: مر أبا بكر فليصلي بالناس، فبطلت حجة من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أبا بكر بالصلاة، ولم يتخذ أحداً يشهد لها على هذا الادعا، ثم أجمع جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما أفاق من غشيته سأل من المتولي للصلاة؟ فقالوا: أبو بكر، فنهض صلى الله عليه وآله وسلم متوكياً على علي بن أبي طالب بالإجماع، والرجل الآخر مختلف فيه، قد قيل الفضل بن العباس، وقيل: غيره، تخط الأرض قدماه حتى جرى أبا بكر من المحراب، فأخره فتقدم وصلى بالناس قاعداً، والناس وراءه فتام ثم قال: أما إن هذه الصلاة لا تحل لأحد من بعدي، فزعمت هذه الفرقة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إماماً لأبي بكر، وأبو بكر إما للناس، فقلنا لهم: أخبرونا هل كان أحد من الناس يحتاج إلى إمامة احد مع إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهل كان أحد من الناس يحتاج إلى أمامة أحدٍ مع إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهل كان بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقص وتقصير، حتى يضم معه أبا بكر، وهل سمعتم فيما مضى أو يصلح فيما يستأنف إمامان في صلاة واحدةٍ، فقالوا: لا، فقلنا فما معنا ذكركم فإذا لم يصلح أن يكون إماماً، فإنما منزلته في ذلك المقام منزلة أول صفٍ.

165 / 292
ع
En
A+
A-