وله عليه السلام في معنى ما نحن فيه من تفسير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لتركبنَّ سنن من كان من قبلكم حذوا، الفعل بالفعل، والقذة بالقذة)) علم باهر، وبيان شافي لحال هذه الأمة، وميلها عن الحق، في تقديم المشائخ على أمير المؤمنين عليه السلام، وفي ميلها عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولولا أن الغرض الاختصار لنقلناه كاملاً إلى هذا الموضع، وإنما نحكى منه زبدة يسيرة، وفيها دلالة نافعة، فمن أحب الوقوف عليه فهو موجود بحمد الله، فمن ذلك قوله عليه السلام حاكياً عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أنذر أمته من الفتن، وقال: أرى مواقع الفتن[146] في خلال بيوتكم كمواقع المطر، ثم دلهم على سفينة نجاة فقال: ((إن مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى)) أي من سلك سبيلهم واستن بسنتهم، لا يغرق بالفتن، كقوم نوح بالماء، فيدخل النار مع الداخلين، قال الله عز وجل: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} أغرقوا فادخلوا ناراً فظنوا أن سبيلهم كسبيل غيرهم، فلم يسلك من أمته سبيلهم إلا قليل، كما لم يركب مع نوح من قومه إلا ثلاثة بنين، سام وحام ويافث، ولم يقصد طريق علي عليه السلام، ولم يخالفه في شيء من أصحاب نبينا صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة: سلمان، وأبو ذر، والمقداد الكندي، تركيباً لسنة من قبلهم واحتذاء بهم.
وقال عليه السلام في موضع منه آخر: وقد أحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخلف علياً عليه السلام في أمته، ويجعله وزيراً من أهله، ووصياً في قومه، كما سأل موسى عليه السلام ربه فقال: رب {اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} وخاف تكذيب قومه فأنزل الله عز وجل على هدايته، وصحة ولاية أخيه من السماء، وأمره أن يبلغ ذلك فقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} أي بلغ الولاية بعد الرسالة {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((فضقت به ذرعاً، وعلمت أن الناس يكذبون، فأوعدني ربي تعالى لأبلغها، أو ليعذبني)) فقام صلى الله عليه وآله بغدير خم فأخذ بيد علي عليه السلام، ونصبه مكان نفسه، وكان تصديقه إياه إيماناً، وتكذيبه كفراً، يأتمنه على ما أدى إليه من النصيحة، والدعاء إلى الخير، وإلى سبيل الرشاد كما نصبه جبريل بأمر رب العالمين تبارك وتعالى في أدائه ما أدى إليه إسرافيل، فكانت طاعته طاعة الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله حجة على الخلق، ورحمة من الله عن ذكره لعباده، فأقامه تحت دوحتين، وقال لأصحابه: ((ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: اللهم نعم، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت نبيه فعلي أميره، ومن كنت أولى به من نفسه فهذا أولى به من نفسه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)) وأمر أصحابه أن يبلغ الشاهد الغائب، فأنزل الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي لا أنزل بعد هذا فريضة أبداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((الله أكبر على كمال الدين، وإتمام النعمة، والولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام)) ولم يؤكد موسى عليه السلام على قومه أكثر من هذا في خلافة هارون عليه السلام، إنما كانت خلافة كلمة اخلفني في قومي، واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، ورسول الله وكد على قومه في خلافة علي عليه السلام ما وكد بغدير خم، ثم أخرج من المدينة من خاف على منازعة علي عليه السلام في خلافته وولايته، فجعلهم تحت يدي أسامة بن زيد مولاه، وأمره أن لا يقف أحد منهم بالمدينة، وهو صلى الله عليه وآله يقول: ((كي تصفو الخلافة لعلي عليه السلام)) فكان لابد لهذه الأمة أن تحتذ حذو بني إسرائيل لما وعدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ستركبون سنة بني إسرائيل)) وما وعدهم الله عز وجل في الكتاب أنهم يفتنون كما فتن الذين من قبلهم.
ثم قال عليه السلام: ولقد سألوه عليه السلام إلى من نفزع بعدك[147] يا رسول الله، ومن خليفتك؟ فلما أخبرهم ساءهم ذلك.
وقال عليه السلام في موضع آخر: فلما أن فارق رسول الله صلى الله عليه وآله الدنيا انقلب أكثر أمته على أعقابهم كما فعلت الأمم الماضية بعد أنبياءهم عليهم السلام، وكما قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً، ثم قبضه إلا وكانت بعد وقفة تملأ منها جهنم، قال الله عز وجل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} فنكصوا على أعقابهم، وتركوا أخا نبيهم صلى الله عليهما، ووليهم ووزير رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه في قومه، وخليفته على أمته، كما فعل بني إسرائيل مع هارون عليه السلام، بعد ما غاب موسى عليه السلام عنهم، واتخذوا العجل في بني إسرائيل عشرة أيام، حتى قال عليه السلام: فقبض نبينا صلى الله عليه وآله ولم يغب كما غاب موسى عليه السلام فبقى عبدة العجل من أمتنا في غيهم يترددون لا يتوبون، ولا هم يذكرون.
وقال عليه السلام في موضع آخر: قال الله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} حاكم علي والعباس عليهما السلام إلى أبي بكر في ميراث النبي صلى الله عليه وآله فقال: فيما قد أوجبتم وراثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام وأنا عم النبي عليه السلام، وهو ابن عمه، فقال أبو بكر: على الخير هجمتم، تذكر يا عباس يوم كنا في شعب أبي طالب أربعين رجلاً لم يكن فيكم من غيركم غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان له وصي وخليفة، فمن يكن منكم وصيي وخليفتي، ووارث أمري، يقضي ديوني، وينحز وعدي، ويبرى ذمتي)) قال: فسكتوا ولم يجبه أحد، فقلت أنت يا عباس: ومن يقدر على ذلك وأنت أسخى من الريح، قال فقام في الثالثة فقال: ((يا معشر بني هاشم، كونوا في الإسلام روسا ولا تكونوا أذناباً، إن كان فيكم وإلا كان في غيركم)) قال: فقام أخمشكم ساقاً، وأعظمكم بطناً، وهو هذا، وأشار بيده إلى علي عليه السلام، فقال: أنا أكون وصيك وخليفتك، ووارث أمرك، أقضي ديونك، وأنجز مواعيدك، وأبرئ ذمتك، أتعرف هذا له يا عباس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: نعم يا أبا بكر، قال: فلأي شيء تخاصمه وأنت تعرفه له من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عباس: وأنت لماذا توثبت عليه في حقه، وتعرف هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال أبو بكر: أخرجوهما عني مكيدة من بني هاشم.
قال عليه السلام: وقال الله عز وجل: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} كذلك أخرجت أمتنا من ديارهم بغير حق، من كان أصدق لهجة ممن أضلته الخضراء وأقلته الغبراء، لم ينقموا منه إلا أنه كان قوالاً بمر الحق[148] حذو النعل بالنعل.
وقال عليه السلام: قال الله عز وجل: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} كذلك قالت الناصبية أن الحسن والحسين عليهما السلام ليسا أبنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وتأولوا قول الله عز وجل: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} وقد علموا أنها نزلت في شأن زيد بن حارثة حين تبناه رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما تزوج زينب بنت جحش قال المنافقون: إن محمداً تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} فزوجه زينب كيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، ونهى المؤمنين بعد ذلك أن يقولوا: زيد بن محمد، وقال: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} فبقوا بنيه الحسن والحسين عليهما السلام، ولم يصدقوا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في غير موضع، قال الله سبحانه: {فَقُلْ} يا محمد {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} ولم يكن الله عز وجل يأمر أن يدعو ابنه، وليس له بنون، وكان ابناه يومئذٍ الحسن والحسين عليهما السلام، فلم يكن له عليه السلام ابن غيرهما، وقد سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنيه في غير موضع، وكذلك قالوا في آية التطهير، قالوا: إنما أنزلت في نساء النبي عليه السلام، ونسوا ما ذكر الله عز وجل عن نبيه موسى: {اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} ولما أنزل الله عز وجل على نبيه عليه السلام: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} كان يأتي ستة أشهر على باب علي وفاطمة عليهما السلام فيناديهما: ((الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)) ولو كانت المخاطبة للنساء لذكرهنَّ بالتأنيث كما ذكرهم {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ}[الأحزاب:33] فلما بلغ موضع التطهير ذكرهم وأذهب عنهم التأنيث فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب:33] مع شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله لهم، وأنه قال: ((نزلت هذه الآية في خمسة في، وفي علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ}[الأحزاب:33] الآية.
وروت عنه أم سلمة عليها السلام أنه جمعهم في بيتها تحت كساء خيبري فقال: ((اللهم هؤلاء عترتي أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) فقلت: وأنا من أهل بيتك، فقال: ((وأنت إلى خير)) ولكن هذا لهم خاصة، وكذلك روت عائشة، وروى النواس ين سمعان كذلك، وأنا جالس في ناحية ثم قال: ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهل بيتي...)) الخبر.
ثم انقضت أيام المأمون، وقام بالأمر بعده الملقب بالمعتصم، محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، بويع له يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان في اللهو على منهاج من سبقه من أهله.