هو الإمام يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان عليه السلام في أيامه متقدماً جماعة أهل بيته، علماً وفضلاً، وزهداً وورعاً، وعبادة وشجاعة، وله رواية واسعة، وكان فارساً، له مقامات مشهورة في مبارزة الأقران، وقتل الأبطال، مع الإمام الحسين بن علي الفخي عليهما السلام، وحكي أنه أصيب يوم فخ بمائة وسبعين نشابة التي استقرت في درعه وأثرت دون ما عدا ذلك، فصار كالقنفذ، واستتر عليه السلام بعد قتل الحسين الفخي، ودخل اليمن، وأقام بصنعاء شهوراً، وأخذوا منه علماً كثيراً، ودخل بلاد السودان، ووصل بلاد الترك سراً، ثم خرج عليه السلام إلى الديلم، وظن أنه صاحب الديلم الذي وردت فيه الآثار، وهو الناصر الأطروش عليه السلام، فأظهر هنالك دعوته، وقام سابقاً غاضباً لله، فوجه إليه هارون الجيوش الكثيفة، في سنة ست وتسعين ومائة، وهو يومئذٍ عليه السلام عند جستان، فلم يقدروا عليه حتى احتالوا فيه بالحيلة المعروفة من أبي البختري وهب بن وهب لعنه الله، حيث جمع ألفاً وثلاثمائة من أهل العلم، فشهدوا عند جستان بأن أبا البختري قاضي القضاة، ثم شهد أبو البختري بأن يحيى عليه السلام عبد مملوك لهارون، ثم أمر لهم يحيى عليه السلام، فلما حضروا بين يديه وعظهم موعظة بليغة، وذكرهم بأيام الله، وحذرهم من هذه الشهادة، فلم ينفع ذلك فيهم، بل شهد أبو البحتري، ثم شهدوا بعده ثانية بأنه عبد مملوك لهارون، فحينئذٍ عزم جستان على تسليمه إليهم، فلما لم يبق إلا ذلك، استأمن يحيى عليه السلام من هارون أماناً مؤكداً، معلوماً مشهوداً، وسلمه بعد ذلك جستان إلى القوم، فساروا به إلى هارون، فخلى عنه مدة، ثم سعى إليه الزبيري عبد الله بن مصعب لعنه الله فيما فعل، فباهله يحيى عليه السلام فيما افترى عليه من الزور، فانتقمه الله في الحال، فجعل هارون يحيى عليه السلام بعد شهادة الزبيري في الحبس، ثم قتله بعد ذلك لا يدرى سم أو جوع أو خنق، أو غير ذلك.

وحكى الإمام المنصور بالله عليه السلام في كتاب الشافي عن الإمام يحيى بن عبد الله عليه السلام في معنى كتابنا هذا أنه قال في كتاب كتبه إلى هارون يذكر فيه قصة المشايخ وقصة علي عليه السلام، ولو شاء أمير المؤمنين عليه السلام لهدأت له وركنت إليه محاباة الظالمين، واتخاذ المظلين، وموالاة المارقين، ولكن أبى الله ورسوله أن يكون للخائنين متخذاً، وللظالمين موالياً، ولم يكن أمره عندهم مشكلاً، فبدلوا نعمة الله كفراً، واتخذوا آيات الله هزواً، وأنكروا كرامات الله، وجحدوا فضيلة الله، فقال رابعهم أنى يكون لهم بالخلافة والنبوة حسداً وبغياً، فقديماً ما حسدوا النبوات، وأبناء النبيين، الذين اختصهم الله بمثل ما اختصصناه، فأخبر عنهم تبارك وتعالى فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}.

وقال عليه السلام في كلام وعظ به الذين شهدوا عليه بأنه عبد مملوك لهارون: فخلف فيكم ذرية فأخرتموهم وقدمتم غيرهم، ووليتم أموركم سواهم، ثم لم يلبث إلا[141] قليلاً حتى جعل مال ولده حوزاً، وظلمت ابنته فدفنت ليلاً.

أو مثل إدريس بن عبد الله
أكرم به من آمرٍ وناهي

 

الخضرم العلامة الأواه
ليس له في القوم من أشباه

هو الإمام إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، خرج إلى المغرب داعياً لأخيه يحيى بن عبد الله، فلما بلغه هلاك أخيه دعا إلى نفسه، وكان تلو أخيه في خصال الإمامة، وشبيهه في طرق الزعامة، ولما ظهر أمره بالمغرب، وقوي جانبه، قلق هارون لمكان ذلك قلقاً عظيماً، فهون الأمر عليه يحيى بن خالد، ووعده بالحيلة في هلاك إدريس بن عبد الله، واستعمل يحيى بن خالد سماً، وأمر به من دسه عليه، فمات عليه السلام.

ثم توفي هارون، وقام بالأمر بعده ولده الملقب بالأمين، بويع له لسبع خلون من جمادى الأخرى، سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكان قبيح السيرة، ضعيف الرأي، سفاكاً للدماء، قد غلب عليه اللهو واللعب، والجواري والخصيان، وما أفاق من الخمر حتى الليلة التي قتل فيها، ثم قام بالأمر بعده أخوه عبد الله بن هارون الملقب المأمون، بويع له يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان مؤثراً للذات على رأي سلفه، مدمناً على شرب الخمور.

أو كالإمام المجتبى محمد
سباق غايات كريم مولد

 

146 / 292
ع
En
A+
A-