وهم شهدوا بدراً وأحداً وناضلوا
وهم أظهروا الإسلام شرقاً ومغرباً
أولئك حزب الله حيث تجمعوا

 

عن الدين والبيت العتيق المعظم
وهم نصروا دين النبي المكرم
فريقان ذو خذل وقتل مصمم

 فما زلت أستنشده أشعار المهاجرين والأنصار في قتل عثمان وأخباره، وهو ينشدني، وحدثني منه، وقلت لنفسي: قد أكثرت على ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى استحييت السؤال، وهو يقول: سل عما بدالك يابن الأهيم فعلى الخبير سقطت، فقلت: يابن رسول الله، إن أناساً من أهل الشام يزهمون أن معهم نظر وفقه وحجج، فإن أذنت لي أن أدخلهم عليك فيسألونك، ولعلك أن تعطهم، ولعل كلامك أن يقع منهم كما وقع مني، فأبايعك وهم حضور على مجاهدة عدوك، وأرجو أنهم[129] إذا سمعوا كلامك، ونظروا إليَّ أبايعك يدخون معي في بيعتك ويتابعوني إن أنت كسرت عليهم حجتهم، فقال لي: آت بهم إن شئت.

قال خالد: فادخلتهم على زيد بن علي رحمة الله عليه، وفيهم رجل قد انقاد له جميع أهل الشام في البلاغة والنصر بالحجج، فلما دخلوا عليه سلموا، ثم جلسوا فقال لهم: ليتكلم متكلمكم، فتكلم الشامي البليغ فذكر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ذكر أبا بكر وعمر إلى أن ذكر عثمان بن عفان أنه كان الخليفة، والمظلوم، وكانت الجماعة معه، وأنه غنما قتل مظلوم، وأن الله عز ذكره رد الخلافة في موضعها، وهم قرابة عثمان حين اجتمع الناس على بيعة معاوية ابن أبي سفيان، ويزيد بن عبد الملك، والوليد وسليمان، فجعل يذكر ملوك بني أمية واحداً واحداً، ويقول: إنه لم تكن جماعة إلا كانت على حق، وهم أولى بالحق وأهل الحق؛ لأنهم قرابة الخليفة عثمان المقتول ظلماً-يعني بني أمية- فمن ناصبهم فهو يطلب غير الحق، ويطلب ما ليس له، ولا هو له مستحق.

قال خالد بن صفوان: وزيد بن علي في كل ذلك مطرق، فلما قضى الشامي كلامه قال له زيد: إنك زعمت أن عثمان إنما قتله خاص، وأن الجماعة كانت معه، وانت تقول أنه قتل مظلوماً، والله ما قتله إلا جماعة المسلمين من المهاجرين والأنصار، ومن الذبن اتبعوهم بإحسان؛ لأن المسلمين قتلوه، ولمن بعض قتله وبعض خذله، فكل ميعين بقتاله الظالم؛ لأنه كالجنائز إذا حضرها بعض المسلمين أغنى عن الباقين، وكذلك الجهاد في سبيل الله إذا قام به بعض المسلمين أغنى ذلك وأجزا عن القاعدين، فقتلوه بكتاب الله، حيث يقول: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} فلم لم يكن فيما يليهم كافراً كان أظهر كفراً من عثمان، وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} فقتله أصحاب رسول الله بكتاب الله، حيث خالف كتاب الله، وكان أول الناكثين على نفسه، وأول من خالف أحكام القرآن، أوى طريداً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكم بن العاص، ومروان ابنه، مع نفيه أبا ذر من المدينة إلى الربذة، وغنما ينفا عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفساق، والمخبتون، مع ضربه ابن مسعود حتى مات، ومع مشيه على بطن عمار بن ياسر حتى سدم من ذلك دهراً طويلاً، ومع أخذه مفاتيح بيت مال المسلمين من عبد الله بن أرقم، وإنفاقه المال على من أحب من أقاربه، مع أشياء كثيرة ذكرها وعددها.

قال خالد: فاعجم القوم عن جوابه؛ لأنه جاءهم بأمرٍ حيرهم، فقالوا له: صدقت يابن رسول الله، والحق ما قلت، إن القوم لم يقتلوا عثمان إلا عن أمر بين، وخلاف ظهار، وجور شامل، ونكث، ثم أقبل على الشامي البليغ بزعمهم، فقال له: أما ما ذكرت من أنها لم يكن جماعة قط إلا كانوا أهل حق، فإنهم ولوا معاوية فاستأثر بفي المسلمين، واضطر أهل الشام إلى خدمة اليهود والنصارى، وأعطا الأموال من أحب من الفساق، فأيتم الأطفال، وأرمل الأزواج، وسلب الفقراء والمساكين، ثم قدموا بعده ابنه فقتل الحسين بن فاطمة، وساروا إليه ببناته حسراً على نوق ضعاف، وأقتاب عارية كما يفعل بسبي الروم، فلو أن اليهود أبصرت أبنا موسى بن عمران لأكرمته وأجلته، وأجلت قدره، ولعرفت حقه، فكيف[130] زعمت أن جماعة قدموا رجلاً على إمامتهم فقتل ولد نبيهم، ثم سكتوا على ذلك ولم يكن عليه في ذلك منهم، فكيف زعمت أن هؤلاء جماعة، أو هم على حق؟ وأن الله تعالى قد مدح القليل إذا كانوا على حق، ألا تسمع إلى قوله تعالى في داود: {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} فقد ذم الله الكثير ومدح القليل، وقال: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} كما ترى، فقال في نوح: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} وقال: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} وقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ} وقال في ذم الجماعة والكثير: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقال: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وقال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وقال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} إلى غير ذلك مما يوجد له عليه السلام.

وأما أخوه فهو أبو جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن الوصي بن أبي طالب عليهم السلام، ويسمى باقر علم الأنبياء؛ لبلوغه المنزلة العالية في العلم، إذ هو العالم المبرز، وحيد عصره، وكعبة دهره، وفي الحديث أن جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله تعالى أتى الباقر وهو أعمى، فبلغه السلام من جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وناهيك بها فضيلة وشرفاً له عليه السلام.

وعن علي عليه السلام في خطبته الكبرى المعروفة بالزهراء قوله عليه السلام: إن الله أعطا نبيه عشرة مفاتيح ولم يعطها أحد قبله من مفاتيح الغيب، القرآن منها جزء، وخصني بالتسعة لم يشركني فيها أحد، ولم ينبغي أن يشركني فيها أحد إلا أني كنت من الرسول بالمنزلة التي لن يقاس بنا أحد، ولم يعلونا، ولكن ليبتلي الله الأمم بالفتن لينظر إياه يعبدون أو الدنيا، ألا وقد وضعها في ذريتي، ولا يفهم تأويلها إلا المذبوح بأرض كربلاء، وباقر العلم، ووارث الأرض في آخر الزمان، تم كلامه عليه السلام، فالمذبوح الحسين، وباقر العلم محمد بن علي، ووارث الأرض المهدي عليه السلام.

وعن الباقر عليه السلام في هذا المعنى الذي نحن بصدده من كتاب المصابيح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب علياً ووالاه أحبه الله وهداه، ومن أبغض علياً وعاداهى أصمه الله واعماه، وجبت رحمة ربي لمن حب علياً)).

127 / 292
ع
En
A+
A-