فإن يقدح في كون النبي -صلى الله عليه وآله وسلم -أولى بهم من أنفسهم كما([676]) نص الله سبحانه على ذلك قدح ذلك في كون الإمام أيضاً، وإن كان لا يقدح في كون النبي أولى لم يقدح في كون الإمام أيضاً أولى والأصل في ذلك أن كونه أولى لا يقتضي المشاركة في كل أمر يتولونه على ما تقدم بيانه بل يكون في ذلك ظهور الرجحان في حق ولايته عليه السلام في الأحكام الشرعية ومثل ذلك قد ثبت للإمام لأنه([677]) أولى منهم بتفيذ الأحكام، والتصرف المختص بالأنبياء عليهم السلام، ومنها إن قيل لو كان الخبر يقتضي ثبوت الإمامة لأقتضاها في الحال لأجل الفا التي هي حرف التعقيب، والجواب عن ذلك: يقتضي ثبوت ذلك في الحال وفي الإستقبال كما ثبت مثل ذلك للرسول –صلى الله عليه وآله وسلم - إلا أنا أخرجنا زمان الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم-بالإجماع أنه لم يكن لأحد أمر معه فبقي ما عداه من الأزمنة دخلاً([678]) تحت مقتضى الخبر فثبت بذلك إمامته عليه السلام بعد زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل إذ ليس هاهنا دليل يقتضي خروجه بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فثبت بذلك أن الخبر يقتضي ثبوت الإمامة في الحال وفي الإستقبال، لولا منع الإجماع في حال حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولسنا نقول بأن الخبر يقتضي ثبوت استحقاقه عليه السلام لهذه المنزلة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيلزمنا اعتراضه إذ لم يكن بنا حاجة إلى القول بذلك حيث أريناه الدلالة في الحال لولا المانع من الإجماع، فأما حمل صاحب الإعتراض [137أ-أ] للخبر على أن المراد به الموآلاة ظاهراً وباطناً على حد ما أثبته([679]) لنفسه، وذلك يفيد عصمة علي عليه السلام، ويقتضي أن باطنه وظاهره مستويان في الإيمان، ووجوب المودة كما ثبت بذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا أقوى ما يعتمده المعتزلة في معنى هذا الخبر.
وهذا يفيد لما قدمنا بيانه من دلالة الخبر على إثبات الإمامة فإن هذا الأعتراض لا يرد على الوجه [211-ج] الأول من وجوه دلالة الخبر لأنا بيناه على أن لفظه مولى قد صار المالك للتصرف على الغالب عليها فصار سائر هذه المعاني كالمجاز مع الحقيقة، فلا يجوز صرفها إلى ما ذكره، ولا يرد أيضاً على الوجه الثاني لأنا بيناه على أن هناك قرينة دلت على أن المراد به الأولى وهو قوله: ((ألست أولى بكم من أنفسكم))ولا يرد أيضاً على الوجه الرابع لأنا بيناه على حمل اللفظ على جميع معاني مولى التي ثبتت في حق أمير المؤمنين عليه السلام، وما ذكره صاحب الإعتراض داخل تحت ذلك، وإنما يرد هذا الإعتراض على الوجه الثالث الذي أحلنا فيه أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من [94ب-ب ] المعاني سوى ملك التصرف، (فيقول المعترض)([680]) مراده صلى الله عليه وآله وسلم بذلك إيجاب مودته باطناً وظاهراً وإفادة القطع على عصمته وهذه مرتبة عظيمة لا علم للناس بها ولا يستحيل أن يقصدها في ذلك المقام.
والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يرد إلا إثبات مودته فالمودة على ما يظهر يكفي وجوب موالاة بعض المؤمنين لبعض، فما الموجب للقيام في ذلك المقام على صعوبة الحال وشدة الحر ليحصل أمر غيره من الأمور الحاصلة يقوم مقامه ولا يليق بالنبي -صلى الله عيه وآله وسلم- أن يتكلف أمر شديد لحصول غرض مثله حاصل بغير كلفة فإن الموآلاة على ظاهر الحال تكفي ولا حاجة بالناس إلى أن يقطعوا على باطن علي عليه السلام، كما احتاجوا أن([681]) يقطعوا في ذلك على باطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الحاجة داعية إلى علمهم بطهارة باطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلامة أحواله لمكان أداء الرسالة وقبولها، وهذا المعنى مفقود في غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم فظاهر الموآلاة كاف في حق غيره فقولهم هذا من الكلام الذي هو غير معقول، بل لا يحل حمل كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمنا من حيث أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))، وهذا لو أفاد الموآلاة كما قالوا: كان معنى الخبر: من كنت أواليه وأحبه وأنصره لدينه فعلي يواليه ويحبه وينصره لدينه وليس معناه ما أرادوه وهو أن من تلزمة موالاتي تلزمه مولاة علي بل إنما كان يصح ذلك لوكان قال: ((من كان مولى لي فهو مولى لعلي كما قدمنا بيان ذلك فبان أن هذا هذيان من المعتزلة وحمل على أقبح الوجوه لكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفظاً ومعنى.
والوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليم جدل بما([682]) قالوه، فإنا قد أريناهم أنه دلالة لنا على إمامته عليه السلام عند كلامنا في الوجه الخامس من وجوه دلالة الخبر على إمامته عليه السلام فإن ذلك مما يقوى الحجة لنا عليهم [137ب-أ] من حيث أنه إذا ثبت عصمته عليه السلام والقطع على صحة باطنه كان بالإمامة والتصرف في حال الإمامة أولى لأن الأتباع له أتباع للمحق بيقين ومتابعة غيره متابعة على الظن والمصير إلى الظن في ذلك لا يحسن مع إمكان المصير فيه إلى العلم، لأنه مأمون الخيانة فيما يتولاه ظاهراً وباطناً، فالعدول إلى غيره عدول إلى من يجوز عليه العمد والخطأ الذي يؤدي إلى الخروج من الدين بالفسق والكفر، وليس في الصحابة إلا من ليس([683]) هذه حالة غيره عليه السلام، فوجب العدول إليه دونهم ويصير حاله عليه السلام مع غيره من القوم كحال([684]) النص مع الإجتهاد، فكما أنه لا يجوز الإجتهاد مع وجود النص في أحكام الحوادث، كذلك لا يجوز إمامة غيره مع وجوده عليه السلام، فلا يجوز العقد لأبي بكر حينئذٍ، ولا قائل يقول بأن العقد لأبي بكر غير جائز إلا، وقد قال بأن الإمامة لعلي عليه السلام فثبت ما قلنا وصح أنه لا مطعن للمخالف مع الخبر.
بحمد الله تعالى تم الجزء الأول من كتاب أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في غرف الجنان آمين.