وأما الأصل الثاني: وهو أنه يجب حملها على كل ما يصح من المعاني في حق أمير المؤمنين عليه السلام فالذي يدل على ذلك أن اللفظة متى كانت حقيقة في جميع هذه المعاني صالحة لتناول كل واحد منها وليس هناك مانع يمنع من حملها على الكل ولا وجه يقتضى ترجيح بعضها على بعض وجب حملها على جميع معانيها إذ لو لم تحمل([664]) على جميع المعاني لأدى ذلك إلى باطلين إما أن لا تحمل على معنى أصلاً وهذا يلحقها بالعبث الذي لا يليق بالحكيم وإما أن تختص بها بعض المعاني دون بعض من غير مخصص فذلك لا يجوز فوجب حملها على جميع المعاني المذكورة سوى المعتق والمعتق لقيام المانع من ذلك وهو ما ذكرناه فيما تقدم فيصير كأنه – صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من كنت موداً له وناصراً وقريباً ومالكاً للتصرف فيه وأولى به من نفسه)) فكذلك علي بن أبي طالب فثبت الأصل الثاني
وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك يقتضي ثبوت ما اردناه من إمامته عليه السلام فالذي يدل على ذلك أن ملك التصرف قد دخل تحت هذه المعاني وهو الذي نريد إثباته ونعنيه بالإمامه كما تقدم.
والوجه الرابع: مبني على أنه لا يجوز أن يريد صلى الله عليه وآله وسلم كل ما يصح من المعاني في حق علي عليه السلام، ولكنا نوجب حمل اللفظة على جميعها كما قدمنا ذلك فثبت الوجه الرابع من وجوه دلالة الخبر.
الوجه الخامس: أنا لو سلمنا لهم تسليم جدل بطلان ما تقدم لم يكن بد من أن يكون -صلى الله عليه وآله وسلم -أراد إختصاصاً لعلي عليه السلام بأمر لأنثبت في غيره وإلا كان عبثاً وسفهاً، وليس ذلك إلا ثبوت عصمته ووجوب موآلاته ظاهراً وباطناً كما يقوله متكلموا المعتزلة وكبارها، ومتى كان ذلك كان إيمانه وإسلامه وعدالته معلوم، ومتى كان كذلك وهي مظنونة في أبي بكر وقد ثبت أن ذلك من شروط الإمامة عند المخالف لم يجز العدول عن المختص بالمعلوم من [135ب-أ] الشروط إلى المختص بالمظنون منها، كما لا يجوز العدول إلى الظن مع التمكن من العلم إلى الاجتهاد مع التمكن من النص، وكما لا يجوز العدول إلى التقليد مع التمكن من النظر في معرفة الله تعالى [93ب-ب ] وإدراكها بالنظر في الأدلة والبراهين، هذا مع أن في آخر الخبر ما يدل على عصمته من غير التفات إلى أوله، وهو قوله -صلى الله عليه وآله وسلم[ ]: ((اللهم وآل من وآلاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره وآخذل من خذله)) فلا([665]) يجوز من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوا على من عاداه وخذله إلا وهو معلوم أنه معصوم إذ لو كان يجوز أن يكون ممن يأتي بالكبائر لم يجز الدعاء له بذلك على الإطلاق، وإنما يجوز على التقييد ما لم يخرج عن طاعة الله تعالى، وإلا أدى إلى أنه لا يجوز معاداة من عصي الله تعالى وخذلانة، فإذا([666]) ثبت أنها تجب معاداة أعداء الله وخذلانهم صح أن أمير المؤمنين عليه السلام لو جاز أن يكون عدواً لله تعالى ممن([667]) في شيء من حالاته لوجب معاداته وخذلانه، ولو كان كذلك ما جاز الدعاء [209-ج] على معاديه وخاذله، لأنه دعا على أهل الطاعة، وقد وقع الدعا من الرسول -صلوات الله عليه وآله وسلم- على معاديه وخاذله وهو الذي نريد بقولنا أنه معصوم، وهو أنه لا يصير عدو الله باللطف الذي فعله الله له أو علم أنه لا يختار أنه يكون عدواً له عز وجل، ومتى كان آخر الخبر يدل على العصمة لزم ما ذكرناه، فثبت الوجه الخامس من وجوه دلالة الخبر على إمامته.
وأما الموضع الثالث: وهو في بيان الإعتراضات الواردة على ذلك، والجواب عنها فقد اعترض على هذا الخبر من وجوه منها: إن([668]) قيل إن هذه المقدمة التي هي قول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألست أولى بكم من أنفسكم)) ليست في الظهور كنفس الخبر، والجواب عن ذلك أن هذه المقدمة نقلت متصلة بالخبر فالإنكار لها يجري مجرى الإنكار له، ولو شاع ذلك شاغ([669]) مثله في آحاد ألفاظ الخبر بـأن يدعي بأن بعض ألفاظه أظهر من بعض، وذلك لا يصح، وعلى أنه لو ثبت ما قاله المخالف لم يقدح ذلك لأنها إذا صارت معلومة بحيث لم يعرف عن أحد من الأمة مناكرة فيها، صح الإحتجاج بها، ولو قدرنا أن الخبر أظهر منها ومنها إن قيل مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذكر الأولى حسن نظره وإن منزله على نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أنا لكم مثل الوالد فأين ذلك من الأئمة، والجواب عن ذلك أن ما ذكره السائل بعيد لأنا قد بينا أن معنى الأولى هو الأحق والأملك وحققنا دلالة ذلك على الإمامة فلا يصح العدول به عن ظاهره لأنه يكون عدولاً به عما يفيده إلى ما لا يفيده وذلك لا يجوز.
ومنها: إن قيل الأمور التي تختص بها الأئمة ليس شيء منها بموكول إلى الأمة حتى يكون لكل واحد منهم ولاية ويكون عليه السلام أولى بها منهم، ولفظة أفعل تقتضي([670]) ذلك فيجب أن يكون ما أوردوه في معنى يصح فيه الشركة، ويثبت للرسول عليه السلام فيه مزية، وليس إلا على ما يقوله([671]).
والجواب عن ذلك: أن هذا يوجب أن لا يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالناس من أنفسهم في شيء من أحكام الشرع ولا فيما يدعوهم إليه من أمور الدين لأنه لا شركة لهم في ذلك، أو يوجب أن يكون لهم شركة في إثبات الشرائع وتصريف الأمة فيها حتى يكون الرسول أولى منهم بما شاركوه فيه وكلاهما [136أ-أ] باطل لأنه قد ثبت أنه عليه السلام أولى بأمته منها بأنفسها فيما يتعلق بإثبات الشرائع وتصريفهم فيها، وأنهم لا يشاركونه في ذلك بل عليهم الإنقياد لما يصرفهم فيه، ولم يكن ذلك مانعاً من استعمال لفظة: افعل هاهنا، وهو قوله: أولى، بل قد نص الله تعالى على ذلك فقال النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، يريد([672]) بياناً أنا نقول الله اكبر معناه: أجل وأعظم، ولم يلزم ها هنا أن تقع المشاركة في العصمة، ثم نريد فيها على غيره منا فكذلك هذا فثبت أنه لا يجب في لفظه أولى أن يقتضي ما قاله من الشركة في الأمر، وعلى أن ذلك لو كان واجبنا فليس من حقه أن يقتضي الإشتراك في كل أمر بل يكفي من ذلك أن يكون لهم على أنفسهم ولاية في أمر ما، وله عليهم ولاية في أمر ما، ثم تكون ولايته عليهم آكد من ولايتهم على أنفسهم لأن ذلك يقتضي الإشتراك في أصل الولاية ولا يوجب الإشتراك في كل أمر يتعلق به الولاية ولا شك أن لكل واحد منهم ولاية عامة على نفسه في جلب منفعة ودفع مضرة.
وله عليه السلام من الولاية عليهم في أمور الدين ما هو أولى مما يثبت لهم على أنفسهم، ويصير ذلك كالحال في قولنا فلان أغنى أهل البلد، فإن هذا يوجب كونه أكثر مالاً منهم فلا يقتضي ذلك مشاركة لهم في أجناس الأموال بل لو كان يملك الذهب والفضة، وهم يملكون الحبوب والبهائم لصح وصفه بأنه أغنى منهم كذلك ما نحن فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين من أنفسهم، كما قال سبحانه ذلك، وإنما لم يثبت(مشاركة لهم)([673]) في الأمر الذي يتولاه، ثم لو ثبت أن هذا اللفظ يوجب المشاركة في جنس ما يتولاه فإن ذلك قد يصح ثبوته فيما أتى به عليه السلام من الأمور الشرعية التي يتولى منها أمور هي: البلاغة والبيان والأمر والنهي والحث والترغيب [210-ج] وما جرى هذا([674]) المجرى وهم: يتولون التصديق والقبول والعمل بما قال وتصريف أنفسهم من تحت أمره فله في ذلك ولاية عليهم، ولهم أيضاً فيه ولاية على أنفسهم إلا أن ولايته أكبر من ولايتهم لأن ولايته عليه السلام أصل، وولايتهم تابعة فلذلك صح وصفه بأنه أولى بهم من أنفسهم فقد سلمنا للمعترض ما قال، وموضع الإستدلال سليم من المطاعن، ومنها إن قيل أن المولى لا يفيد حكم الإمامة، والجواب عن ذلك: ما قدمناه من أنه يفيد إثبات الإمامة من الوجوه [94أ-ب] الخمسة المتقدمة، ولا يقدح في ذلك أن يكون من جملة معاني مولى النصرة والمودة وقوله عليه السلام: اللهم وآل من وآلاه وعاد من عاداه لا يوجب أن يكون قد أراد بقوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) الموالاة والنصرة فقط، ولا يمنع من إثبات الإمامة على ما تقدم ألا ترى أنه عليه السلام لو صرح بذلك فقال: هذا علي إمامكم((اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه لصح الكلام واتصل بعضه ببعض فلم يصح هذا الإعتراض بل بطل، ومنها إن قيل: لم يثبت أن قولنا مولى يفيد أولى على جهة الحقيقة، ولهذا قد يكون أحدنا أولى بامراته، وغيرها، ولا يقال هو مولاه والجواب عنه ما قدمنا ذكره من أن مولى قد يكون بمعنى: أولى، وهو أحد حقائقه كما استشهدنا [136ب-أ ] على ذلك بقوله تعالى: {مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ}[الحديد:15] معناه: أولى بكم ويقول لبيد:
|
مولى المخافة خلفها وأمامها |
على ما بيناه أولاً من أن معناه: أولى بها بل لو قال صاحب الإعتراض أن الأولى هو الأصل في معاني مولى وهو الذي يتفرع إليه لكان ذلك أقرب إلى الصواب لأن مالك الرق لما كان أولى بتدبير عبده من غيره والتصرف فيه كان مولاه دون غيره وابن العم لما كان أولى بميراث بن عمه ممن بعد نسبه، وأولى بنصرة ابن عمه من الأجنبي كان مولاه لأجل ذلك والمود لما كان أولى بمودة موده كان مولاه لذلك والمعتق لما كان أولى بمعتقه في تحمل جريرته والعقوبة ممن أعتقه غيره كان مولاه أيضاً لذلك فبان لك في ذلك أن المعترض قد أبعد في دعواه، واتبع في المكابرة هواه، وإنما لم يقبل الواحد منا في امرأته أنه مولاها لأن ذلك يوهم أنه مالكها وأنها مملوكة، وليس إذا امتنعنا من ذلك حذراً من التلبيس، وجب مثله في كل موضع، وعلى (أن)([675]) الإنسان قد يحب امرأته ويعظمها ولا يقال أنه مولاها فما أجاب به صاحب الإعتراض عن ذلك فجوابنا مثله، ومنها: إن قيل: أن الإمام ليس بأولى الأمة في كل شيء بل ربما يكون غيره أولى في كثير من الأمور فالجواب أن مثل ذلك أيضاً ثابت في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ألا تر أن الناس أولى بنكاح نسائهم منه وأولى بطلاقهن، وكذلك فهم أولى بعتق عبيدهم، وهبة أموالهم وبيعها وغير ذلك.