أحدها: أن اللفظة مشتركة بين معان
والثاني: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز أن يريد بها شيئاً من تلك المعاني سوى ملك التصرف.
والثالث: أن ذلك هو معنى الإمامة، أما الأصل الأول: وهو أن اللفظة مشتركة بين معان فالذي يدل عليه قد تقدم فلا يطول الكلام بإعادته فثبت الأصل الأول.
وأما الأصل الثاني: وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز أن يريد شيئاً من تلك المعاني سوى ملك التصرف فالذي يدل على ذلك أن معاني لفظة مولى منقسمة، فمنها ما يعلم أن ثبوته في حق علي عليه السلام محال وهو أن يكون عليه السلام معتقاً لمن اعتقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لم يكن عليه السلام مالكاً لمن يملكه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجوز له ما كان يجوز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوطئ وتوابعه والعتق من توابع الملك فما أعتقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أرقائه فالولاء له دون علي عليه السلام كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الولاء لمن أعتق ولا يباع ولا يوهب)) مع أن ثبوت الولاء لهما جميعاً غير صحيح بالإجماع، أو يكون عليه السلام معتقاً من جهة من أعتق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مولاهما واحد، وذلك لأنه يعلم أن كل واحد منهما حر الأصل معروف النسب أباً وأماً فلا يجوز أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحداً من هاذين المعنيين، ومنها ما يعلم الكافة أنه كان ثابتاً لعلي عليه السلام، وهو ما عدا ملك التصرف نحو القرابة والنصرة والمودة والموالاة في الدين، وغير ذلك، ومثل هذا لا يجوز أن يريده النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخطابه[93أ -ب] لكونه معلوماً عندهم سابقاً على خطابه، فلا يجوز أن ينزل بهم في تلك الحال على ما روى من شدة الأمر وحر النهار، ويقوم خطيباً فيهم ليعرفهم شيئاً هم يعرفونه كما لا يجوز أن يقوم فيهم مثل ذلك المقام ليعرفهم أن اسمه علي بن أبي طالب أو أنه رجل عربي أو واحد من قريش كذلك هذا لأن القوم عالمون قبل مقامه ذلك فيهم أن علياً عليه السلام ابن عمه، وقائم بنصرته ومؤثر بمودته([656])، فكيف يجوز أن يريد صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من ذلك مع أنه لا ينطق عن الهوى كما حكى الله سبحانه وتعالى ولا يفعل شيئاً إلا لوجه صحيح يستحسن([657]) عند العقلاء، وهل هذا إلا غاية العبث والسفه الذي لا يرتضيه المراهق لنفسه فظلاً عن العقلاء البالغين فكيف بالأنبياء المرسلين فبان بهذا أنه ما أراد به إلا(أن من)([658]) كان يملك التصرف ويكون أولى به من نفسه كما قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}[الأحزاب:6] فإن علياً مولاه على معنى: أنه يملك التصرف عليه، فإنه أولى به من نفسه، وهذا يفيد أن يصير أمير المؤمنين عليه السلام بذلك مالكاً للتصرف كافة([659])، وأولى بالخلق كما كان ذلك ثابتاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأيضاً فإنما تهذي به المعتزلة من أنه أراد بذلك بيان موالاة علي عليه السلام ونصرته فقط من الكلام الذي لا يعقل ولا يحل أن يحمل عليه كلام النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لأنه إنما قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))، وهذا لو أفاد الموالاة كما قالوا: لكان المعنى([660]) من كنت أواليه وأنصره لدينه فعلي يواليه ويحبه وينصره لدينه وليس معناه ما أرادوه، وهو أن من تلزمه موالاتي تلزمه [208-ج] موالاة [135أ-أ] علي بن أبي طالب لأنه إنما كان يصح ذلك لو قال: من كان مولى لي فهو مولى لعلي بن أبي طالب فقد ظهر أنهم مالوا عن الحق وسلكوا غير نهج الصواب و([661])عُميت أبصارهم مع أنهم فرسان الكلام حيث راموا أن يجعلوا ثقلاً ثالثاً مع الثقلين، وهيهات بين ذلك بعد المشرقين فثبت الأصل الثاني.
وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك معنى الإمامة فالذي يدل عليه([662]) قد تقدم فلا وجه لإعادته وهذا الوجه الثالث من وجوه دلالة الخبر على إمامته عليه السلام مبني على أنه لا قرينة في الخبر توجب تقييد المطلق لكنا نفسد أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من (هذا المعني)([663]) سواء معنى الإمامة كما قد بيناه فثبت الوجه الثالث من وجوه دلالة الخبر على إمامته عليه السلام.
الوجه الرابع: هو أن نسلم جواز إرادته صلى الله عليه وآله وسلم لكل معني من معاني لفظة مولى التي يصح ثبوتها لأمير المؤمنين فنقول: إن لفظة مولى وإن كانت مشتركة بين معان لكنها يجب حملها على تلك المعاني التي يصح ثبوتها في حق أمير المؤمنين ففي ذلك ما أردناه من ثبوت إمامته فهذا الوجه مبني على ثلاثة أصول:
أحدها: أن هذه اللفظة مشتركة
والثاني: أن يجب حملها على كل ما يصح من المعاني في حق أمير المؤمنين عليه السلام
والثالث: أنه يقتضي ثبوت ما أردناه من إمامته عليه السلام.
أما الأصل الأول: وهو أن اللفظة مشتركة فقد تقدم فثبت الأصل الأول