والثاني: أنه يجب حمله في الخبر في([646]) هذا المعنى.
والثالث: أن الأولى: هو الأحق والأملك.
والرابع: أن ذلك معنى الإمامة أما الأصل الأول: وهو أن لفظ مولى يستعمل بمعنى أولى فقد تقدم بيانه فثبت الأصل الأول وأما الأصل الثاني: وهو أنه يجب حمله في الخبر على هذا المعنى، فالذي يدل على ذلك أنا متى حملنا لفظة مولى التي في الخبر على أنه عليه السلام أراد بذلك معنى أولى صار الكلام مرتبطاً بعضه بعض فيكون ذلك أكمل للمعنى، وأتم للنظم وأحسن للإتصال، وهذا هو الواجب في كلام العقلاء والذي ينبغي أن يحمل عليه كلام العقل، ألا ترى أن الكلام متى شهد بعضه لبعض كان ذلك أحسن في الأسماع وأوقع في الإفهام وأعرب([647]) في الفصاحة، وأعظم في البلاغة، ولهذا استحسن البلغاء والفصحا من أبيات الشعر ما كان أوله كالمخبر بآخره لأجل الإتصال الشديد، والإرتباط البليغ كما روى أنه لما سمع الفرزدق قول جرير:
|
لها([648]) برص بأسفل اسكتيها |
تلثم قبل تمام البيت، وفهم بأول البيت آخره وهو قوله له:
|
كعنفقة الفرزدق حين شابا |
وعلى هذه الطريقة متى كان لرجل عشرة عبيد، ثم ذكروا واحد منهم ووصفه بحسن الخدمة وجميل العشرة، وقال في آخر كلامه: فأشهدكم أن العبد حر فإن هذا اللفظ يجب حمله على ذلك العبد الذي تقدم ذكره ووصفه وإن كان اللفظ [92ب-ب] مطلقاً يصح لتناوله ولتناول غيره من أولئك العبيد، لكن تقدم ذكره أوجب تقييد مطلقه وعلى هذه الطريقة ثبت تعريف العهد وكان صرف الخطاب إلى المعهود أولى من صرفه إلى الجنس الذي لم يتقدم له ذكر فصارت مقدمة الكلام التي بداء –صلى الله عليه وآله وسلم – بذكرها (وآخذاً لإقرار)([649]) الأمة بها من قوله: ((ألست أولى بكم من أنفسكم))، ثم عطف عليها بلفظة([650]) تحتملها وتحتمل غيرها دليلاً على أنه لم يردها بها غير المعنى الذي قررهم عليه دون ما عداه من محتملاتها [134أ-أ]، وأنه قصد بالمعطوف ما هو معطوف عليه إذ لا يجوز أ ن يرد من الحكيم تقرير بلفظ مقصور على معنى مخصوص ثم يعطف عليه بلفظ([651]) يحتمله إلا ومراده المخصوص الذي ذكره وقرره دون ما عداه، ومثال ذلك ما قدمناه في العبد وصفته ثم تعقيب ذلك بعتقه، فإنه إنما انصرف إليه العتق دون غيره من العبيد لمثل هذه العلة فصار كأنه عليه السلام قال:((من كنت (مولاه)([652]) أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه)) يزيد ذلك بياناً وتأكيد ما قدمنا روايته عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام حين قيل له: ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله يوم الغدير: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه وعاد من عاده فقال جعفر: سئل عنها والله رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي فعلي مولاه([653]) لا أمر له معه)) فثبت الأصل الثاني([654]).
أما الأصل الثالث: وهو أن الأولى: هو الأحق والأملك فالذي يدل على ذلك أن ألفاظ أولى وأحق وأملك مختلفة معناها واحد بدليل أنه لا يصح إثبات بعض ذلك مع نفي البعض الآخر فلا يصح قائل يقول: فلان أولى بالتصرف في هذا العبد وفي هذه الدار، وليس بأحق ولا أملك ولا أن يقول: هو أحق وأملك بالتصرف فيهما، وليس بأولى بذلك بل يعد من قال بذلك مناقضاً جارياً مجرى من يقول هو أحق وأملك وليس بأحق وأملك وهو أولى وليس بأولى إلا أن المناقضة في هذا الكلام الأول في المعنى دون العبارة وفي الكلام الثاني في المعنى والعبارة جميعاً فلولا أن معنى هذه [207-ج] الألفاظ واحد لما كان ذلك متناقضاً في المعنى فثبت الأصل الثالث.
وأما الأصل الرابع: وهو أن ذلك معنى الإمامة فالذي يدل على ذلك ما قدمناه من أنا لا نعني بقولنا: فلان إمام إلا أنه يملك التصرف على الناس فإذا صار أملك من غيره للتصرف في الناس فقد ثبت ما رمناه وزيادة وهذا الوجه الثاني: مبني على أنا نسلم([655]) بثبوت الإشتراك في اللفظ وإنما نقول: إن تقدم التقرير بلفظة أولى في أول الخبر تكون قرينه دالة على تقييد اللفظ المطلق لهذا المعنى دون غيره فثبت الوجه الثاني من وجوه دلالة الخبر على إمامته عليه السلام.
الوجه الثالث: هو أنا نسلم أن لفظة مولى باقية على الإشتراك المتساوى لكنا نفسد أن يريد النبي صلى الله وآله وسلم بها في ذلك المقام شيئاً من المعاني سوى إثبات ملك التصرف فنقول: إن لفظة مولى وإن كانت مشتركة بين معان فإنه لا يجوز أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المقام شيئاً من المعاني سوى ملك التصرف وملك التصرف هو معنى: الإمامة، وهذا الوجه مبني على ثلاثة أصول: