واعلم أرشدك الله أن الكلام في خبر الغدير تقع في ثلاثة مواضع:
أحدها: في صحته وثبوته.
والثاني: في بيان دلالته على إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام
والثالث: في بيان الإعتراضات([635]) على ذلك، والجواب عنها.
أما الموضع الأول: وهو في صحته وثبوته، فاعلم أن هذا الخبر معلوم الصحة ظاهر النقل ولا شك في بلوغه حد التواتر، فأما كونه معلوماً فلا شك فيه عند أهل البصائر والمعرفة فلا([636]) يدفعه أحد، ولا يرده، ولهذا لم تختلف قول البصريين في صحة هذا الخبر وكونه معلوماً، وإنما يختلف المحققون منهم في أنه هل يعلم ضرورة أو استدلالاً ذكر قاضي القضاة أن النظر فيه هل هو معلوم ضرورة، أو استدلالاً، فأما في كونه معلوماً، فلا خلاف بين الشيوخ، ومن أنكر غدير خم لم ينكر الخبر، وإنما أنكر هذا المكان، وقال: بأنه لا يعرف في البادية مكاناً بهذه الصفة فصح الخبر والصحيح فيه ما قاله الإمام المنصور بالله عليه السلام، وغيره من الأئمة والعلماء رحمهم الله تعالى وسلم عليهم من أنه متواتر وأن العلم به ضروري لمكان استفاضته واشتهاره وشدة نقله لكل من عرف الأخبار وبحث عن السير والآثار فهو جار مجرى الأخبار المتعلقة بأصول الشريعة، نحو ما حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة والزكاة وغير ذلك من الأمور التي هي معلومة ظاهرة بين الأمة يؤكد ذلك أن علياً عليه السلام احتج به في قصة الشورى، وقصة الشورى أظهر من أن تخفى، وكان عليه السلام يخطب على المنابر ويذيعه في المحافل، ويستشهد([637]) عليه من سمعه من الصحابة في المواقف الكبيرة، فلولا أنه معلوم بين الناس ما صحت هذه القضايا، وأيضاً فإجماع الصحابة على صحته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماعهم حجة فإن قيل: قد أنكرته الخوارج والجاحظ.
قلنا: أما الخوارج فما يستطيع أحد أن يروي عنهم أنهم جحدوه وهذه كتبهم ومقالهم تشهد بخلاف ذلك، وليس خروج الخوارج عنه عليه السلام لشبة تقتضي أنهم يجحدونه ما هو معلوم له، وكيف ذلك وهم كانوا قبل ذلك أهل النصرة له فكيف يجحدون ذلك، وأما الجاحظ فقد ذكره في كتابة: (الزيدية الكبرى)، واحتج به على إمامته، وذلك يعارض ما يروى عنه في كتاب: ( العثمانية)، وعلى أن الإجماع قد سبق الجاحظ على صحة هذا الخبر، وأنه عن رسول الله -صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم- وأن الأمة بين محتج به على إمامته، وبين محتج به على فضيلته، وبين متأول له وطاعن علينا في الإحتجاج به، ولو كان باطلاً في نفسه لما صح ذلك فيه ولكان جحدانه أخف مؤنة وأسهل شأناً من التعسف في تأويله؛ فأما من أنكر غدير خم، فذلك بعيد لأن غدير خم معروف مشهو، ر وللعرب فيه الأشعار الكثيرة، وقد بينا قول حسان بن ثابت([638]) حيث يقول:
|
يناديهم يوم الغدير نبيهم |
بخم فاسمع بالرسول مناديا
وقول الكميت: