لقد أبعد من قال بهذه المقالة من الناس يا ويلهم ماذا أقدموا عليه، ونسبوه إليه نبراء إلى الله من مقالتهم ونعوذ به من ضلالهم، وربما تجاهل أهل هذا القول فقالوا: إنما لم نستخلفه محاذرة أن يأمرهم بطاعة رجل بعينه فيعصوه فيهلكوا، وهذه الجهالة أخت الأولى أفيرون([574]) أنه عليه السلام يأمر الناس وينهاهم عن أمور لو ترك الأمر بها والنهى عنها لما فسدوا بذلك، ولا وهن دين ولا ضعف حق، ولا قوى باطل، فيقول لهم: استاكوا عرضاً واكتحلوا وتراً ولا تلبسون نعلاً واحده فاذ نمتم فاغلقوا أبوابكم وارخوا ستوركم وأوكوا أسقيتكم واكفئوا صبيانكم وأطفئوا سرجكم إلى غير ذلك من معايير التأديب شفقة على أمته، وكلاية لرعيته، ويهملهم عليه السلام في الأمر المهم الذي يجل قدرة، ويعظم خطره، فيدع الأمر الأعظم الذي لا يقوم دين الله بعده إلا به، ولا يستقر الأمر بعده إلا عليه؛ هذا هو الضلال البعيد[12ب-أ ]، وقد علمنا أنه تعالى أمر الأمم بطاعة أنبيائها وعينهم للأمم، وقد علم تعالى أنه لا يقبل ذلك ويتبعه إلا القليل كما قد وقع ذلك فلم يكن ذلك صار فالله تعالى عن إظهار حججه، وبيناته على ألسنة رسله كذلك هذا الذي نحن فيه من هذه الوصية وتوجيهها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل بعينه فيفزع الناس إليه بعده صلوات الله عليه كما([575]) فعل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم خلاف هذه النزهات الساقطة والتعليلات الواهية، ثم إن كان الإختيار لهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الحق، ثم خلاه فلقد أخل بأمر عظيم من أمر الله وإن كان قد اختار ذلك كما قد فعل فما كان لهم أن يبدلوا غير خيرة الله وخيرة رسوله، ولئن كانوا اختاروا، ولم يكن ذلك مما شرعه وهو الصحيح لقد أدخلوا في الدين ما ليس منه والعجب كل العجب ممن يقول هذه المقالة كيف كان لرسول الله أن يموت غير مختار لأمته أحد يقوم فيهم مقامه، ويكون أبو بكر أعلم بالشرع وأرحم بالأمة، فيختار لهم عمر بعده أكان ذلك عن وحي من الله أو عن عهد من رسول الله نبؤني بعلم إن كنتم صادقين، لا معول للقوم إلا الإجماع الذي بنوه على غير قاعدة، وسيأتي([576]) الكلام مفصلاً إن شاء الله تعالى.
واعلم أن الأخبار التي احتججنا بها على أنه عليه السلام وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تدل أيضاً على إمامته عليه السلام، ووجه الإحتجاج بها على إمامته هو أن لفظ الوصية متى أطلق من غير تقيد أفادت الوصية التصرف في جميع ما كان يتصرف فيه الموصي، ألا ترى أن القائل: إذا قال: أوصيت إليك أو أنت وصيي أفاد ما ذكرنا من غير تخصيص لبعض ذلك دون بعض يقتضي أن هنالك مخصصاً خص بعض ذلك، فإن لم يكن التخصيص ببعض ما يقال أولى من البعض الآخر فلا يصح قول من قال إنه وصيه في الأموال التي تختصه لأنه تخصيص بغير دلالة، وذلك لا يجوز، ولأنه أيضاً إن أراد أنه[195-ج] وصية في ماله فعند صاحب هذا القول، وعند سائر المعتزلة أنه([577]) ما خلفه لا ملك له فيه بل أمره بزعمهم إلى أبي بكر لأن ما خلفه صدقة، فإن أراد به أنه وصيه على أزواجه، فذلك لا يصح لأنه لا مال له يتصرف فيه عليهنَّ في نفقة عدة أو ميراث، وإنما ذلك إلى أبي بكر عندهم، أو وصيه على ذريته فقد التزم ذلك أبو بكر، وزعم أنه أولى به وهو قولهم، وفاطمة كانت بالغة لا وصية عليها، والحسن والحسين التصرف عليهما، والولاية إلى أبيهما سلام الله عليهم أجمعين كسائر الآباء من غير حاجة، ووصيته صلى الله عليه وآله وسلم وأيضاً ففي بعض الأخبار ينزله منزلة شيث من آدم، ويوشع من موسى عليهم السلام، وكيف يتصور ما قالوه فبان بذلك أنه عام فيدخل([578]) فيه الوصية بالتصرف فيما يختص الأئمة فلا يكون ذلك إلا وهو إمام، فأما لفظ الخليفة فإنه عام يفيد أنه يخلفه في أهل دينه بما كان يتصرف فيه-صلى [127أ-أ] الله عليه وآله وسلم- على مثل الوصية، وقول قاضي القضاة أنه يخلفه في أهله بما يتعلق بهم من الإنفاق فذلك غفلة منه أو إعراض عن التأمل لأنه إن عنى بأهله وأزواجه فلا مال له ينفق منه عند قاضي القضاة بل ماخلفه صدقه على قوله، وقول أبي بكر وعمر فإما أن ينفق عليهن علي عليه السلام من مالهن فذلك إليهن لا إليه وإن عني بأهله فاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم فذلك لا يصح لأنه ليس بخليفة عليهم من حيث أن حياطتهم واجبة عليه في الأصل، فبقى أنه أراد الإستخلاف في أمته بما يجب للأئمة عليهم السلام، فأما قوله: قاضي ديني فإن كان بكسر الدال فالمراد به متم لديني بإنفاذه فيعم أحكام الإمامة وغيرها، وإن كان بفتح الدال فإن قضى دينه ليس إلا من ماله أو من بيت المال، وقد ثبت أنه لا مال له عند المخالف، فبقى من بيت المال، وذلك (إلى الأئمة)([579]) الذين [88ب-ب]لهم التصرف في بيت المال، إذا كانوا موجودين، فلوكان أبو بكر إماماً في تلك الحال بعده لم تصح الوصية بذلك إلى علي عليه السلام وذلك قول المخالف.
فأما قول أبي هاشم أن قاضي دِينى -بكسر الدال- إنما يدل على أنه قد حمله من الأحكام الشرعية ما يؤديها دون الإمامة فهو تخصيص بغير دلالة، وذلك لا يجوز وأيضاً فإنه إذا اختاره عليه السلام وصياً بمهماته([580]) ولقضاء دينه واستخلفه على أهله كما قالوا فإن ذلك يدل على أنه عنده أوثق الناس في نفسه وأكثرهم ورعاً في دينه وأخصهم به وأوفاهم بما عهد إليه وأحفظهم لذلك والمأمون عليه فلا يخلو أن يقال جعل عليهم غيره وصياً فيهم، وذلك لا يجوز لإنه يكون غير ناظر في صلاحهم ولا مأمون على حياطتهم بحيث يختار الأصلح، والأوثق لنفسه دونهم، ويولى عليهم في الأمر الأعظم وهو الأمين عليه الصلاة والسلام دون من ولاَّه على حوائجه في خاصته([581]) نفسه، وذلك([582]) لا يجوز على الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم -، أويقولوا بأنهم اختاروا غيره من غير وصية ولا استخلاف منه وذلك قبيح لأنهم يكونون قد اختاروا لأنفسهم غير ما اختاره-الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم -وعدلوا عمن تسكن إليه نفسه عليه السلام، ويعتمد عليه في أموره ومن هو عنده صلى الله عليه وآله وسلم أعظم أمانه وأوفى بما عَهِد إليه وذلك قبيح، فظهر بذلك أنها تدل على إمامته عليه السلام كيف ما دارت القضيه بحمد الله ومنه[196-ج].
|
وهل سمعت بحديث مولى |
يوم الغدير والصحيح أولى
لم
يبق للمخالفين
حول
أما خبر الغدير فقد روى بطرق مختلفة، وأسانيد كثيرة، وألفاظ مختلفة مترادفة على معنى واحد وأجمع عليه أهل النقل، وبلغ حد التواتر لا إشكال في تواتره، ونحن نذكر هاهنا طرفاً مما رواه مؤالفنا وطرفاً مما رواه المخالفون لنا قي كتبهم، أما مارواه أهل مذهبنا فمن ذلك مارويناه عن النبي -صلىالله عليه وآله وسلم-أنه قال: ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه)) وروينا عن البراء بإسناده قال: أقبلت مع رسول الله -صلى عليه وآله سلم- في حجة الوداع فكنا بغدير خم فنودي فينا أن الصلاة جامعة وكشح النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – تحت شجرتين وأخذ بيد علي عليه السلام فقال: ألست أولى بإلمؤمنين من أنفسهم.
قالوا: بلى يارسول الله.
قال([583]): (( هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من واليته وعاد من عاديت)) فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
وروينا عن سلمة بن كهيل بإسناده قال: حدثنا أبو الطفيل أنه سمع زيد بن أرقم يقول: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكة والمدينة عن سمرات خمس دوحات عظام فقام تحتهن، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشية يصلي، ثم قام خطيباً فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، وقال: ما شاء الله أن يقول ثم قال: ((أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا ما اتبعتموهما القرآن، وأهل بيتي عترتي، ثم قال: أتعلمون أني أولى المؤمنين من أنفسهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فإن علياً مولاه))، وفي حديث آخر بإسناد آخر عن زيد بن أرقم أن رجلاً قال: حَدْثْني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (في) ([584]) ولاية علي لا (يذكره)([585]) غيره إن لم تكن سمعته منه فقال زيد: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم عند الدوحات، وهن في غدير خم يقول: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم.