وقد كان من هداهم الوصية لاخلاف بين المسلمين في ذلك كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[القصص:51].

قيل يعني وصياً ونبياً بعد وصي، فجرت الوصية من النبيين إلى الوصيين إلى يوم القيامة، وقد علم الله تعالى عبده ورسوله وعلم الناس أنه لا نبي بعده، كيف يبخسه الله حظه من الوصية التي أكرم بها أنبيائه أو كيف يترك صلى الله عليه وآله وسلم نصيبه من هذه المنزلة العلية التي أمر بها أمته وندب إليها أصحابه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات على غير وصية مات ميتة جاهلية))، ومن هي من جملة ألفاظ العموم لصحة دخول الإستثناء على ما دخلت عليه، وصحة الإستثناء تدل على الإستغراق.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((المحروم من حرم نفسه وصيته))، وروينا من كتب العامة[ ]عن الإمام المنصور بالله عليه السلام ما رواه مما يدل على وجوب الوصية من صحيح مسلم بالإسناد عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما حق امرء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ثلاث ليالي إلا ووصيته مكتبوة عنده)).

قال عبد الله بن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال([571]): إلا وعندي وصيتي، وبالإسناد عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما حق امرء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))، ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي في وجوب الوصية الحديث الثامن والستون بعد المائة من المتفق عليه في الصحيحين من مسلم والبخاري من مسند عبد الله بن عمر بالإسناد عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما حق امرء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))، وأخرجه البخاري من هذا الطريق هكذا، وأخرجه تعليقاً فقال: تابعه محمد بن مسلم عن عمرو عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجه مسلم من حديث الزهري عن سالم عن أبيه[ 126أ-أ] بنحوه إلى أن قال: يبيت ثلاث ليال.

 قال بن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي، ولا خلاف بين الأمة في استحباب الوصية لكل ميت، هذا ولولم يوصي عليه الصلاة والسلام ويجعل للأمة بعده من يرجعون إليه ويفزعون إليه لكان قد أخل بما افترض الله عليه وندب أمته إليه فيكون ممن تنتظمه الآية التي يقول فيها: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}[البقرة:44].

مع أنه ليس بعده صلى الله عليه وآله وسلم نبي ولا وصى على هذا القول الأول([572]) الكاذب يفزع إليه المسلمون، ويعتصم به المؤمنون يا سبحان الله العظيم إذا كان الرسول عليه السلام حكيماً وكان بأمته باراً كريماً رحيماً، وقد قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة:128].

وكنتم يا أهل العقول الزاكية والقلوب الواعية توجهون انتقاصكم إلى من مات على غير وصية مع تمكنه من ذلك، وتفضلون من مات من أهل ملته([573]) موصياً عليه ممن ليس بمعصوم، بل من ساير الناس خاصتهم وعامتهم، كيف يكون المعصوم بل النبي الأمي الذي أكمل الله تعالى له دينه [194-ج] ورضي عمله ويقينه يموت على غير وصية إذاً يكون أمره ناقصاً وحقه مبخوساً إن هذا لهو الضلال المبين!

فانظروا رحمكم الله حمل الحمية، وشدة العصبية بهؤلاء القوم على أن نزهوا أبا بكر بجحد أن هذه المنزلة العليه ونفيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكونه بذلك في درجة النقص عن جميع أنبياء الله قبله بل على غيرهم من أولياء الله.

هذا وقد أمرنا تحمل عامة المسلمين وخاصتهم على السلامة فحملوا رسول الله صلى الله عليه الله عليه وآله وسلم على أقبح الوجوه مع أنهم يعلمون أنه عليه السلام كان إذا بعث سرية استخلف عليها ثم يقول: إن قتل فلان فالأمير بعده فلان.

وقد علم صلوات الله عليه وآله أن الناس بعده أحوج إلى ذلك فكيف يدعهم حيارى لا يهتدون [88أ –ب ] حيلة ولا يجدون سبيلا.

311 / 398
ع
En
A+
A-