قال: فأتيته لأنظر إلى عبادته فأشهد لقد أتيته وقت المغرب فوجدته يصلي بأصحابه المغرب، فلما فرغ منه جلس في التعقيب إلى أن قام للعشاء الآخرة، ثم دخل منزله فوجدته طول الليل يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثم جدد وضوءه، وخرج إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر، ثم جلس في التعقيب إلى أن صلى بهم العصر، ثم أتاه الناس يختصمون، وهو يقضي بينهم إلى أن غابت الشمس فخرجت وأنا أقول أشهد أن هذه الآية نزلت فيه.

وعن بعضهم قال: رأيت علياً قائماً في محرابه قابضاً على لحيته يبكي، ويناجي ربه ويقول: ياحمرى إحمري ويا صفراء اصفري وغري غيري، فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها الخبر.

وروى أن معاوية قال: لضرار بن ضمرة صف لي عليا عليه السلام.

قال: اعفني.

قال: والله لتصفه.

قال: كان بعيد المدى، شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر [ 122ب-أ] العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن.

كان([551]) فينا كأحدنا يلبينا إذا ناديناه، ويجيبنا إذا سالناه، ونحن والله مع تقريبه أيانا وقربه منا لا نكاد نكلمة لهيبته، ولا نبتدله لعظمته يعظم أهل الدين، ويحب المساكين لا يطمع القوي في ظلمة ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين. ويقول يادنيا غري غيري إلى تعرضت أم إليَّ تشوقت هيهات هيهات قد([552]) طلقتلك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وخطرك حقير آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا الحسن([553]) كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار!

قال: كحزن من ذبح واحدها في حجرها، ومن تأمل سيرته عليه السلام علم أنه نسيج وحده في الورع، ولما أشير عليه بتقرير معاوية على ما هو عليه حتى يتقوى أمره قال: وما كنت متخذ المضلين عضدا، ولما استأذن منه طلحة والزبير للعمرة، واشير عليه بمنعهما قال: ما العمرة يريدان ولكني لا أمنعكما أمراً ظاهره طاعة الله تعالى، ولما قيل له في ابن ملجم([554]) قال: لا نقتل غير قاتلنا، فقيل فاحبسه، فقال: ما حدث منه ما يستوجب الحبس، وهو عليه السلام الذي يقول: والله ما كثرت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من أقطارها شبراً، وما أقتات منها إلا كقوت أتان دبره ولهي اهون في عيني من عفطة بقرة، ولقد أخرج عليه السلام سيفه يبيعه ويقول: من يشتري هذا ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته، وكان عليه السلام إذا أخذ عليه جمع اليتامى والمساكين في مسجده، ثم أشترى لهم اللحم والعسل، ويأكل الزيت والعجوة فيا للعجيب ممن تماثل بينه، وبين المشائخ وهو من هذه المنازل العلية بالمحل الباذخ، ولكن طاش الحلم، ورفض العلم، وغلبت الاهواء، وزالت الاراء، وغلبت الحمية، ورانت على القلوب العصبية، فنسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، حتى لا نكون ممن أعرض عن الدليل، ولا ممن صد عن سواء السبيل بمنه ومشيئته، وتوفيقه ورحمته))، قال:

وقال فيه المصطفى أنت الولي
وكم وكم قال له أنت أخي

 

306 / 398
ع
En
A+
A-