أخشنهم ملابساً ومأكلاً
لكن
شرى بالعاجل الموجلَ
ولم
يزل يعدل في البرية
كأنه
من جملة الرعية [ 84ب-ب]

أما ما ذكرناه من هذه النكته في زهده -عليه السلام -ورفضه للدنيا وإيثاره الآجلة على العاجلة، وما يتعلق بذلك من حسن سيرته، وصدق طويته، وما يشتمل على هذا الباب من أنواع العبادات، والشمايل المستحسنات فلو ذهبنا إلى شرح ذلك لطالت علينا [في ذلك]([537]) المسالك، ولم نكن لنستدل على الأمور الضرورية -لكنا ننبه أهل القلوب [120ب-أ] التي ختم عليها بخاتم الغفلة ونذكر أهل العقول التي استنارت بنور الله تعالى بذكر طرف من أحواله -عليه السلام-في هذا المقصد فمن ذلك أنه: كان عليه السلام مستعملا لأخشن المعاش وأغلظ الرياش، ولقد قيل له عليه السلام: ما هذا اللباس الذي عليك بهذه الخشونة والغلظ؟

فقال: مالكم ولباسي ذلك أحصن لفرحي، وأولى أن يقتدى بي، ولما عوتب في لباسه! قال: لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، فقال لي: ذرها عنك فذو الأتن لا يرتضيها لبذرعتها، فقلت: أعزب فعند الصباح يحمد القوم السرى، ويتجلى عنهم عبارات الكرى،، والله لو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم، ولتناولت لباب البر في صدور دجاجكم، ولشربت الماء في رقيق زجاجكم، ولكني وجدت الله يقول: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[هود:15،16].

وكان عليه السلام فيما ورد عنه يختم على طعام نفسه، وروى، أنه أخرج رغيفاً يابساً من خبز الشعير، ثم اتكأ عليه حتى كسره، فقيل: مع جودك تختم على خبزك، فقال: ما أفعل ذلك بخلاً، ولكن صبياني يشفقون عليَّ، فيخاطون خبز الشعير بخبز الحنطة، فلا أريد ذلك، فقيل له: إذن تضعف فقال: هيهات أن النابتة بالعرى أصلب عوداً، وأقوى عموداً وأدسم ثمراً، فوالله ما قلعت باب خيبر بقوة غذائية، ولا بقوة جسدانية، ولكن بنفس بنور بارئها مضية، وتأييد من الله قوية، وفيه عليه السلام ورد [ ] إنه اشترى قميصين بثمانية دراهم واحد([538]) بخمسة، وواحد بثلاثة فألبس غلامه ما اشتراه بخمسة.

ولبس ما اشتراه بثلاثة، فنظر فإذا كمه أطول من يده فتقدم إلى السجاد وقال: اقطع هذا، فقطع، فقيل له: تعال حتى يخيط كفته([539]) وعطافة.

قال: إن الامر أقرب من ذلك.

وكان من خطابه للدنيا يا صفراء يا بيضاء غري غيري فقد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، وخطرك يسير، واشترى عليه السلام تمراً من تمار في سكة التمارين بدرهم.

 قالوا: فوزن له، وقال: ناولني([540]) حتى أحمله([541])، فقال: لا يأكله الحسن والحسين عليها السلام ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحمله غلامك، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -يقول: ((من خصف نعله، ورقع ثوبه، وحلب شاتة، وحمل بضاعته إلى أهله فقد برئ من الكبر)).

 وروينا من مسند [ ] بن حنبل رفعه إلى زاذان قال: رأيت([542]) عليا عليه السلام يمسك الشيسوع بيده، ثم يمر في الاسواق فيناول الرجل الشيسع، ويرشد الضال ويعين الحمال على الحمولة[ 186-ج]، ويقرا هذه الآية {تلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[القصص: 83]، ثم يقول هذه الآية نزلت في الولاه، وذوي القدرة من الناس.

وروى الاصبغ بن نباتة وأبو مريم الخولاني قال: سمعنا عماراً بصفين يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام: إن الله زينك بزينة لم يزين العباد بشي أحب إلى الله تعالى منها، وهي زينة الأبرار عند الله الزهد في الدنيا، فجعلك لا تنال من الدنيا شيئا، ولا تنال الدنيا منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك، فحق علىالله تعالى أن يوقفه يوم القيامة موقف الكذابين.

302 / 398
ع
En
A+
A-