قالوا: لا سبيل إلى هذه فهات الثالثة.
قال: الحرب كما قال الله تبارك وتعالى: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}[الأنفال:58].
قالوا: لا طاقة لنا بذلك فصالحوه على ألفي حلة ألف في رجب وألف في صفر، وعلى عارية ثلاثين درعاً، وثلاثين رمحاً وثلاثين فرساً، إن كان باليمن كيد ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - ضامن بها يؤديها إليهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده لو باهلتهم ما بقى على وجه الأرض منهم أحد ولقد حشر علي بالطير والعصافير من رؤوس الجبال لمباهلتهم)).
وذكر الإمام المنصور بالله عليه السلام: أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - صالح أهل نجران على مائتي أوقية [من الذهب]([490])، وعشرين أوقية من الفضة([491]) ومائتي حلة كل حلة ثوبان أربعمائة ثوب كل ثوب قيمة عشرون درهماً، وعارية ثلاثين [173-ج ] درعاً وثلاثين بعيراً، وثلاثين فرساً إلى والي اليمن، ونزل الرسل عشرين يوماً، والمراد بالنزل -بضم النون، والزاي- ما يهيأ من طعام للنزيل وهو الضيف.
قال: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيراً حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهدى له العاقب حلة وعصى وقدحاً ونعلين وأسلما، ونحن نروي حديث المباهلة من صحيح مسلم [ ]، ومن تفسير الثعلبي، ومن مناقب بن المغازلي أيضاً، والمعنى الذي لأجله دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين دون غيرهم من أكابر الصحابة والمسلمين، أنه أراد أن يبين منزلتهم، وأنه ليس في أمته بعده من يساويهم في الفضل، وأن لهم من الفعل مثل ما له، وأنهم معصومون ومن حيث أن الإمامة لا تخرج عنهم والحسن والحسيين، وإن كانا صغيرين فلا يمتنع أن يبلغا تلك الدرجة، ويحتمل أنه تعالى جعلهما كذلك معجزة لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - كما فعل بيحيى وعيسى عليهما السلام، ولا يقال أنه أخرجهم لقرب النسب منه إذ لو كان كذلك لأخرج العباس وعقيلاً وأعلم أنه قد أطبق أهل النقل كافة على تباين أغراضهم واختلاف أهوائهم على تفسير هذه الآية وأنها نازلة في الخمسة عليهم السلام، ونحن نذكر مما رواه المخالفون في ذلك شيئاً يكون أبلغ في الحجة وهو ما روى المنصور بالله عليه السلام، ورويناه عنه عن الثعلبي أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - خرج محتضنا للحسن وأخذ بيد الحسين وفاطمة تمشى خلفه وعلي خلفهما وهو يقول لهم: إذا دعوت فآمنوا، فقال أسقف النصارى: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزالة فلا تبتهلوا فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ونثبت على ديننا، وأنت على دينك، واعطوه الصلح في كل عام ألفي حلة نصف في رجب، ونصف في صفر وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولا اضطرم الوادي عليهم ناراً ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على الشجر ولما [113أ-أ ]حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكو، فقال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران:62].
قال الإمام المنصور بالله عليه السلام: وهذا الخبر مفيد جداً لأنه أثبت أن ولدي علي وهما الحسن والحسين ولدان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ثابت في ظاهر قوله: {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}[آل عمران:61]، فكان الحسن والحسين عليهما السلام، وأثبت الخبران أن المراد بقوله في الآية: {وَنِسَاءَنَا} فاطمة، فخرجت زوجاته عن مقتضى الآية والخبر، ولا خلاف بين الأمة إنه لم يدع أحد من زوجاته ولا دعا أحد من النساء غير فاطمة عليها السلام، وأن المراد بقوله تعالى: {وَأَنْفُسَنَا} محمد وعلي صلوات الله عليهما، فكيف يجوز لنفس أن تتقدم على نفس رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - وكيف يعتري الشك في كونه أفضل الصحابة{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}[يوسف:105]. تم كلامه عليه السلام.
واعلم أنه قد بين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - ما ذكره الإمام المنصور بالله عليه السلام في الخبر الأول الذي رويناه من غير كتب العامة حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((هلموا هؤلاء أبنائي الحسن والحسين، وهؤلاء أنفسنا لعلي ونفسه، وهؤلاء نسائنا لفاطمة)) وليس بعد بيانه بيان صلوات الله عليه وآله وسلم، ومما يعضد ما ذكرناه في أن نفس علي عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ورد في الآية وتبين من تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الآثار حديث بريدة أن علياً كان في غزاة وفيها خالد بن الوليد فأصاب على جارية فكتب خالد كتاباً ينال فيه من علي ودفعها إليَّ وأمرني أن أنال من علي عند رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -[174-ج] فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - ودفعت إليه الكتاب، فلما قرأ الكتاب رأيت الغضب في وجهه، وقال: ((يا بريدة لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم من بعدي)).
وروى أنه قال له: ((يا بريدة لا تبغض علي فإنه مني وأنا منه إن الناس خلقوا من شجرة وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة)) إلى غير ذلك من الآثار المماثلة لهذا مما قدمناه.
وروى بن حنبل في مسنده وبإسناده رفعة إلى بريدة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - بعثين على أحدهما: علي بن أبي طالب عليه السلام، وعلى الأخرى: خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس وإن افترقتم فكل واحد منكما على جنده.
قال: فلقينا بني زبيد من اليمن فاقتتلنا، وظهر المسلمون على المشركين فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية [80أ-ب] فاصطفى علي عليه السلام من السبي امراة([492]) لنفسه.