قالا([447]): فذلك آية ما بيننا وبينك إذا كان غداً باهلناك ثم قاما وأصحابهما من النصارى معهما فلما بعدوا وقد كانوا نزلوا بالحرة أقبل بعضهم على بعض، فقالوا: قد جاءكم هذا بالفصل من أمره وأمركم فانظروا أولاً بمن يباهلكم بكافة([448]) أتباعه أم بأهل المكانة والمكنة من أصحابه أم بأهل التجشع([449]) والتمسكن والصفوة ديناً؟ وهم القليل منهم عدداً، فإن جاءكم بالكثرة وذوي البشارة منهم فإنما جاءكم مباهياً كما تصنع الملوك فالفلح إذا لكم دونه وإن أتاكم بنفر قليل ذوي تخشع ورهبانية فهؤلاء وشجة الأنبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم فإياكم [167- ج] والإقدام إذا على مباهلته فهذه لكم أمارة وانظروا حينئذٍ ما تصنعون بينكم وبينه فقد أعذر من أنذر، فأمر –صلى الله عليه وآله وسلم –بشجرتين فعضدتا وكسح ما بينهم، وأمهل حتى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنشر على الشجرتين فلما أبصر السيد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صنعة المحسن وعبد المنعم وسارة ومريم وخرج معهما نصارى نجران وركب فرسان بني الحارث بن كعب في أحسن هيئة، وأقبل الناس من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، وغيرهم من الناس في قبائلهم وشعارهم([450]) من راياتهم وألويتهم وأحسن هيئتهم لينظروا ما يكون من الأمر، ولبث رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم في حجرته- حتى متع([451]) النهار ثم خرج آخذاً بيد علي والحسن والحسين أمامه وفاطمة من خلفهم فأقبل بهم حتى أتى الشجرتين فوقف بينهما من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها من حجرته، وأرسل إليهما –صلى الله عليه وآله وسلم- يدعوهما إلى ما دعواه من المباهلة فأقبلا إليه فقالا: بمن تباهلنا يا أبا القاسم قال: بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله بهؤلاء وأشار إلى علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام.

قالا: فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر ولا الكثرة ولا أهل الشارة ممن نرى فمن آمن بك واتبعك وما نرى معك إلا هذا الشاب والصبيين والمرأة [77أ] فبهؤلاء تباهلنا.

قال: نعم أولم أخبركم بذلك آنفاً، نعم: بهؤلاء أمرت والذي بعثني بالحق نبياً إن أباهلكم فاصفرت([452]) حينئذ ألوانهما وعادا إلى أصحابهما وموقفهما، فلما رأى أصحابهما ما بهما وما دخلهما.

قالوا: ما خطبكما فتماسكا فقالا: ما كان ثم من خطب فنخبركم فأقبل عليهم شاب كان من خيارهم قد أوتي فيهم علماً فقال: ويحكم لا تفعلوا واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفته فو الله إنكم لتعلمون حق العلم أنه لصادق وإنما عهدكم بإخوانكم حديثاً قد مسخوا قردة وخنازير فعلموا أنه قد نصح لهم فأمسكوا.

قال: وكان للمنذر بن علقمة أخي أسقفهم أبي حارثة حظ من العلم فيهم يعرفونه له وكان نازحاً عن نجران في وقت تنازعهم فقدم وقد أجمع القوم على الرحلة [109أ -أ] إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فشخص معهم فلما رأى المنذر انتشار أمر القوم وترددهم في رأيهم أخذ بيد السيد والعاقب وأقبل على أصحابه.

وقال: اخلوني وهاذين فأعتزلهما([453]) فأقبل عليهما فقال: إن الرائد يكذب أهله وأنا لكما حق نصيح وعليكما جد شقيق فإن نظرتما لأنفسكما نجيتما وأنجيتما وإن تركتما ذلك هلكتما وأهلكتما.

قالا: أنت الناصح حيناً المأمون غيباً فهات فقال: أتعلمان أنه ما بأهل قوماً نبي إلا كان مهلكهم كلمح البصر، وقد علمتما وكل ذي أرب ممن ورث الكتاب([454]) معكما أن محمداً أبا القاسم هذا هو الرسول الذي بشرت به الأنبياء وأفصحت ببعثه([455])، وأهل بيته الأنبياء وأخرى أنذركم بها فلا تفشوا عنها.

قالا: وما هي يا أبا المثنى؟

قال: انظروا إلى النجم قد اسلتطح([456]) على الأرض وإلى خشوع الشجر وتساقط الطير بازاً بكما لوجهها قد نشرت على الأرض أجنحتها وقات ما في خواصلها وما عليها لله من تبعة ليس إلا لما قد أطل من العذاب.

وانظر إلى اقشعرار الحيات وإلى الدخان المنتشر من فرع السحاب، هذا ونحن في حمارة القيط وآيات الهجير، وانظروا إلى محمد رافعاً يده والأربعة من أهله معه إنما ينتظر ما تجيان به ثم اعلما أنه إن انطبق فوه بكلمة من بهله لم يدارك معها أهلاكاً ولم يرجع إلى أهل ولا مال، فنظرا فأبصرا أمراً عظيماً فأيقنا أنه الحق من الله فزلزلت أقدامهما وكادت أن تطيش عقولهما واستشعرا أن العذاب واقع بهما فلما أبصر المنذر بن علقمة ما قد لقيا من الخيفة والرهبة.

276 / 398
ع
En
A+
A-