فأجمعا على اغتياله فبعثا إليه رجالاً فغموه ليلاً حتى مات فدفنوه في مقبرة نجران.
قال وهب: فأخبرني رجال ذوو عدد من أهل نجران أنهم كانوا يبصرون على قبر حارثة في الليالي الداجية نوراً.
قالوا: فقمنا نرى ذلك حولاً.
قال وهب: وأخبرت أن السيد والعاقب أقبلا على قومهما يعني نصارى نجران فقالا: إن أبا حارثة شيخكم قد أبطل رأيه الكبر وأطفاء نوره الهرم فأجدر بنا أن نقبض الجامعة فنحن أطوق لها ولتدبيرها منه فما اعترض عليه في ذلك منهم أحد فقبضاها بما فيها من الصحائف فلم يعرف الناس لها حتى الآن خبراً ولم يلبث أبو حارثة بعدها إلا قليلاً حتى هلك بطعام أصلحاه له، فلما احتضر أرسل خلف الرهط من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم -فقال: إني ميت فإذا قضيت نحبي فكونوا أنتم فداكم أبي وأمي الذين يتولون أجناني في قبري، فأنتم أولى بذلك من مشركي نجران إني على دين الإسلام مصدق بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فاقرؤوه صلى الله عليه وآله وسلم مني السلام.
قال وهب: فلما تجهز السيد والعاقب للمسير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى([442]) المدينة انتدب معهما أربعة عشر راكباً من نصارى نجران، ثم من آكابرهم فضلاً وعلماً في أنفسهم وسبعون رجلاً من أشراف بني الحارث بن كعب وسادتهم.
قال: وكان قيس بن الحصين ذو القصة ويزيد بن عبد المدان ببلاد حضرموت فقدما نجران على أهبة مسير قومهم فشخصا معهم فاغترز القوم في أكوار مطاياهم وجنبوا خيلهم وأقبلوا لوجههم حتى وردوا المدينة.
قال: ولما استراب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -خبر أصحابه أنفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرحها معه لمشارفة أمرهم فألفوهم([443]) عائدين إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: ولما دنوا من المدينة أحب السيد والعاقب أن يباهيا المسلمين وأهل المدينة بأصحابهما وبمن حف من بني الحارث معهما فاعترضاهم فقالا: لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الأرض فألقيتم عنكم نفثكم وثياب [108 أ- أ]سفركم وسننتم عليكم من باقي مياهكم كان ذلك أمثل، فانحدر القوم عن الركاب فأماطوا من شعثهم وألقوا عنهم ثياب بذلتهم، ولبسوا ثياب صونهم من الحميات والحرير والخز وذروا المسك في مفارقهم [166- ج] ولمعهم([444]) ثم ركبوا الخيل واعترضوا بالرماح على مناسخ خيلهم [76ب -ب] وأقبلوا يسيرون زردقاً واحداً، وكانوا من أجمل العرب صوراً وأتمهم أجساماً وخلقاً فلما شرفهم الناس أقبلوا نحوهم وقالوا ما رأينا وفداً أجمل من هؤلاء القوم فأقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -ثم أمهلهم وأمهلوه ثلثاً فلم يدعهم ولم يسألوه لينظروا إلى هديه ويعتبروا بما يشاهدونه منه بما يجدون من صفته فلما كان بعد ثالثه([445]) دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -إلى الإسلام.
فقالوا: يا أبا القاسم ما أخبرتنا([446]) كتب الله بشيء من صفة النبي المبعوث من بعد الروح عيسى إلا وقد تعرفناه فيك ألا خله هي أعظم الخلال آية ومنـزلة وأجلاها إمارة ودلالة
قال: ما هي ؟