فقال لي: لا يتخالجك في ذلك ريب و إن كان عظيماً حق عظيم فإنه من يرده الله بخير من عنده فلا راد لفضله نصيب به من يشاء من عباده ثم اعلم أن الله سبحانه وتعالى اقتص على المسلمين في كتابه ما أنعم به على محمد رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم –ونبأهم بما فضله واختصه به ووقع([415]) من ذكره في الصحف الأولى وسائر الكتب التي أنزلها الله جل وعلا وفصلها.

فقال عز وجل {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}([416]) [آل عمران:81]. فقرن الأنبياء والمرسلين جميعاً بالإيمان به وولايته [163-ج ] وملته وشريعته وحذرهم الخروج عن عصمته فلم تزل الأنبياء صلوات الله عليهم من الإيمان به ونصره يبشر كل نبي أمته به([417]) ويقوم فيهم بفضله ومخلد ذلك في الصحف الأولى لمن يأتي من بعده بمهد النبوة وتوطيد لملته وحجة بالغة على أهل الكتاب من قبله، وقامت الأنبياء بذلك حتى كان في أخرهم عيسى بن مريم -عليهما السلام-.

 فقام صلى الله عليه وآله وسلم في قومه بما اقتضى الله عليكم في كتابه فقال: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[الصف:6] ثم لم يذكر الله عز وجل نبياً من أنبيائه ورسله بأكرومة وفضل إلا ذكر أهل بيت ذلك النبي فأدخلهم في (خلال الخير معه)([418]) فقال تبارك وتعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[آل عمران:33،34]. وذكر نوحاً فقال: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ}[العنكبوت:15].

 وقال له([419]):{فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ}[المؤمنون:27]، وقال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}[الصافات:77]، وقال: {ومن ذريته إبراهيم وإسرائيل}[] وقال لوط: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ، فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ}[الشعراء:69،70]، وقال: {بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ}[البقرة:248]، وقال: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً}[سبأ:13] فأدخل الله أهل بيوتات إن أنبيائه([420]) معهم في كرامته وفضله وأشاد بذلك من شانهم في كتابه [10ب-أ ] ثم إن الله بجوده وحمد أنزل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في اجتبائه واختياره بمنزلة لم ينزلها منه نبي ولا رسول قط نعمة منه وفضلاً منه وإحساناً منه عليه([421]) كافة الأنبياء فكذلك([422]) فضل أهل بيته أعلى بيوتات الأنبياء جميعاً وقد أدخل أهل بيت محمد مع نبيه [75ب-ب] عليه السلام وقرنهم به في عدة مواضع من كتابه كما ذكره معهم في الكتب السالفة من قبل تشريفاً واختصاصاً لهم وتفضلاً تفضيلاً فقال جل ثناؤه {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}[آل عمران:61]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب:33] هذا في كثير مما ذكرهم الله تعالى معه في كتابه ثم نزههم عما نزه عنه وأقرهم معه في مسجده وأمره بالاختصاص لهم في الدعاء إلى دينه.

فقال {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}[طه:132]، وقال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}[الشعراء:214].

قال: وجعل أبو جعفر يومض إلينا بما في القرآن من ذلك فأقبل عليه طاووس وقد تفرق عنه الناس ولم يبق غيرنا.

فقال: نبيت أنَّ([423]) أبا ذر -رحمه الله تعالى- كان يقرأ هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}[آل عمران:33]، وقال: آل محمد من آل إبراهيم.

قال أبو جعفر: فنفس  علينا قومنا حسداً أو بغياً، وقالوا: لا تجتمع النبوة والملك والإمامة في بني هاشم أبداً ولو حزت بالمناشير رقابنا، وذلك لما قام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - بالغدير لأمير المؤمنين -عليه السلام -من ولايته فاخبر الله نبيه بقولهم وأمره بالانصراف عنهم لما سبق به علمه ورد عليهم قولهم في كتابه فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}[النساء:54] فلم يزل يتلوا ما نزل فيهم من القرآن حتى ثلج صدري والله وشفى نفسي فلما قمنا من عنده قال طاووس: إنهم أهل بيت يلقون الحكمة وأوشك بصاحبك هذا أن يكون منهم. قال همام: وعاد الكلام إلى صلب الحديث ونسقه.

قال: أخبرني أخي وهب بن منبه قال: لما فلج حارثة عن السيد العاقب بالجامعة وما تبينوه في الصحف القديمة، ولم يتم لهما ما قدرا من تحريفهما، ولم يمكنهما أن يلبسا على الناس في تحريفهما([424])امسكا عن المنازعة من هذا الوجه علماً انهما قد أخطأ سبيل الحق بذلك فصارا[164-ج] إلى بيعتهم آسفين لينظرا ويرتئيا.

وفزع إليهما نصارى نجران فسألوهما عن رأيهما، وما يعملان به في دينهما، فقالا لهم: ويلكم([425]) وهل الدين إلا ما ألفينا عليه أمتنا وأدركنا عليه سلفنا مما أجمع عليه الآباء الرحماء، والأساقفة القدماء العظماء الخمسون ومائة بقسطنطينية الذين أوضحوا للناس أن روح القدس غير مخلوقة، وأنها أقنوم([426]) لاهوت وأقنوم([427]) ناسوت قالا: والقنوم: الجوهر، ثم ما أجمع عليه من بعدهم الثلاثة مائة، وثمانية عشر الأساقفة الذين نظموا إليهما نوت([428]) لأمتهم بتنقية.

272 / 398
ع
En
A+
A-