قال أبو حارثة: لا بل شارفوها بأجمعها، واسبروها فإنه أضرم للعذر، وأرفع لحسكة الصدر وأجدر الأثر تابوا في الأمر([398]) من بعد هذا، فلم يجد إلى([399]) المصير قوله من بد([400])، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم صلوات الله عليه وسلم.

قال وهب: وكان الله يفضله على من يشاء من خلقه قد اصطفى إبراهيم بخلته وشرفه بصلاته وجعله قبله، وإماماً لمن يأتي من بعده وجعل النبوة والإمامة والكتاب في ذريته يتلقاها آخر عن أول، وورثة تابوت آدم المتضمن للحكمة والعلم الذي فضله الله به فنظر إبراهيم صلى الله عليه في ذلك التابوت فأبصر فيه بيوتاً بعدد ذوي العزم من الأنبياء المرسلين وأوصياؤهم من بعدهم فنظر فإذا بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم آخر الأبيات عن يمينه علي بن أبي طالب عليه السلام آخذ بحجرته، وإذا شكل عظيم تتلألأ نوراً فقال إبراهيم: إلهي وسيدي من هذا الخلق الشريف: فأوحي الله إليه هذا عبدي وصفوتي الفاتح الخاتم، وهذا وصيه الوارث.

قال: رب ما الفاتح الخاتم.

قال: هذا محمد خيرتي وبكر فطرتي وحجتي الكبرى في بريتي تنبيته واجتبيته إذ آدم بين الطين والجسد، ثم إنى باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني وخاتمٌ به رسالتي ونذري، وهذا أخوه، وصديقه الأكبر.

قال وهب: فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تظمنته الجامعة والصحف الدارسة من بعث رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- وصفاته([401]) وازداد القوم بذلك يقيناً وإبماناً واستطيروا بذلك([402]) فرحاً، وقام عتبة بن غزوان أخو بني مازن ممن شهد بدراً، فقال: شهدت وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لما مات ابنه إبراهيم: ألا إن النبوة قد انقطعت فلا نبي بعدي ثم أخذ بيدي ابني فاطمة فشمهما وقبلهما وقال: هذان ابناي وأنا بحق عصبتهما ألا إن عصبة كل بني أنثى من أبيهم([403]) إلا ولد([404]) فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم فثبتت الحجة كارثة على صاحبيه السيد والعاقب وامسكا مخصومين ولا يستطيعا إلا ذلك، ثم صار القوم إلى ما أنزل على موسى عليه السلام لاعتبار ما في ذلك من نعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - فألقوا في السفر الثاني من التوراة ([405]) باعث في الأمين من ولد إسماعيل رسولاً أنزل عليه كتابي، وأبعثه بالشريعة القيمة إلى كافة خلقي وأوتيه حكمتي وأؤيده بمليكتي([406]) وجودي [162-ج] تكون ذريته من ابنة له مباركة باركتها من شبلين لها.

فقال حارثة: ألآن أسفر الصبح لذي عينين ووضح الحق لمن رضى به ديناً فهل في أنفسكم من مرضٍ يستشفيان له!

فلم يرجعا إليه قولاً.

فقال أبو حارثة: اعتبروا الإمارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح فصار القوم إلى الكتب والأناجيل الذي جاء بها عيسى -صلى الله عليه وسلم - فالقوا في المفتاح الرابع في الوحي إلى المسيح: يا عيسى يا ابن الطاهر البتول اسمع قولي وجد في أمري إني خلقتك من غير فحل وجعلتك آية للعالمين فإياي[75أ- ب] فاعبد وعلي فتوكل وخذ الكتاب بقوة ثم فسرها لأهل سوريا وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم الذي لا أحول ولا أزول فآمنوا بي وبرسولي([407]) النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان نبي الرحمة والملحمة الأول الآخر.

قال عيسى: قدوس قدوس ما الأول الآخر؟

قال: أول النبيين خلقاً وآخرهم مبعثاً ذلك العاقب الحاشر فبشربه بني إسرائيل.

270 / 398
ع
En
A+
A-