قال آدم عليه السلام: رب فما هاتان القبتان العظيمتان([372]).

قال الله تقدس اسمه: هؤلاء أمة محمد فالأولى أدركت نبيها في علمي وآمنت به واتبعت، فألبستها نوراً من نوري، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم كذلك حتى أرث الأرض ومن عليها، وهم فيما([373]) قسمت لهم من فضلي ورحمتي في منازل شتى فأفضلهم سابقهم إذا كان أعملهم وأعلمهم بطاعتي وهذه الثانية العظمى التي ملأت بعظمها([374]) وسوادها أرضي فهم أخابث خلقي وأشرار عبيدي، وهم الذين يدركون محمداً خيرتي وسيد بريتي فيكذبونه صادقاً ويخونونه أميناً ويعصونه رؤفاً رحيماً، هذا وهم يعرفونه والنور الذي أبعثه به يظاهرون على إخراجه من أرضه ويتظاهرون على قتاله وعلى عداوته ثم على القوامين بالقسط من بعده هذا وهم لهم جنة حق، وعند انقضاء مناجاة آدم عليه السلام خر ساجداً فأوحى الله تعالى إليه وهو جل وعز أعلم به وبقلبه ما سجودك هذا يا آدم؟.

قال: تعبداً لك يا إلهي وتعظيماً لأولئك هؤلاء الذين أكرمت ورفعت، وكانت أول سجدة سجدها مخلوق فشكر الله ذلك له فأباحه جنته، وأوحى إليه أني مخرجهم من صلبك، وجاعلهم في ذريتك، فلما قارف آدم عليه السلام الخطيئة، وأهبط من الجنة توسل إلى الله تعالى وهو ساجد بمحمد –صلى الله عليه وآله وسلم- فغفر له خطيئته وجعله الخليفة في أرضه.

قال وهب: فلما أتى القوم على ما في المسباح الثاني من ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما أطلع الله تعالى صفيه آدم عليه السلام وأوحى إليه وعلمه من معرفة ما في ملكوته وأسماء بريته، وما يكون في ذريته أمة بعد أمة [159-ج] ونبي بعد نبي إلى العصر الذي يبعث الله فيه روحه عيسى بن مريم، ثم كذلك إلى عهد محمد سيد البرايا وخاتم الأنبياء، ثم ما يأتي من بعده من الأمور الحادثة، والأسباب، الجارية في أمته، ومن يكون فيهم وعليهم من أئمة الهدى والضلالة والملوك الجبابرة إلى يوم القيامة، أقبل حارثة بن أثال على السيد والعاقب وجميع من حضرهم من نصارى نجران، وبني الحارث بن كعب ومن شهدهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوفد.

فقال: قد سمعتم فواتح وحي الله وأنبائه إلى فواتح رسل الله وأنبيائه من أبيكم آدم عليه السلام، فهل تمتريان أنها منزلة من الله على خليفته أول رسول أبي البشر، وأشار بيده إلى السيد والعاقب، فأجاباه، وقد دخلتهما ذلة واستكانة لما كانا يرويان من قبل ويلبسان من الحق بالباطل، ولما أظهر عليهما بما عثر عليه في كتب الله من ذكر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال العاقب: معاذ الله أن ننكر حقاً ونحن نعرفه أو نقر باطلاً، ونحن نبصره، ولكنها العقول قضت أن الرؤية والأناة مقرونتان بالنجاة وفي اليقين لا أبا لك أنس لمن أوحشه الشك، فأرتعنا لذلك، وتمسكنا لنتحاكم إلى كتب الله تعالى المنزلة التي لا [104أ-أ] عوج فيها ولا أود وأجدر بمن كان إلى تنزيل الله مفزعة أن لا يضل، ولا يزل، ثم أمسك؛ فقال السيد: صدق أبو وائلة([375]) وبر فإنه من سلك الجدد أمن من الخطل، ومن كانت الإناة من شؤونه([376]) لم يترقب بها الندم، وقد كنا على طريقة جاءت من ذي قبل لم نعرف ومن سلف من آبائنا غيرها ديناً، ولم يجده([377]) عن وهم عنها مزبلاً([378]) حتى نجم هذا الأمر الذي جاءكم به محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- فيما تقدمنا([379]) فيه إقرار ولا نكصنا عنه إقصاراً وإنكاراً علما بأن الله تعالى علما في خلقه يحدث فيها ما يشاء من أمره، ولكنا عرسنا([380]) لذلك بين ضربين ليزتاي وينظر ومن لم يقدمه الحزم يا حار آخره العجز ثم قال:

سأقضي الذي يقضي النصيح أخو الحجى
ومن لا يكن ذا فطنة في أموره

 

وأعذر حيناً في الأمور وأنذر
يرد هفوات ليس فيهن مصدر

قال وهب: فأخذ([381]) شيخهم أبو حارثة يتعطفهما ترفقاً بهما ومداراة لطباعهما وتقريراً لهما بما تضمنت كتب الله تعالى الأولى من صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل على حارثة بن أثال فقال: بحسبك من لؤم وتأنيت فما كل معذول معلوم ولا المستشفي بالعبرة من سقيم الشبهة بذميم، ولا صاحباك على حق [74أ-ب] بزارين ولا عن موجبه ناكرين، ولكنهما إناة وقفت بهما توسماً لم يأذن الله تعالى بنشره من حد سيره وتوسماً بعرفان ما طوقه الخطوب الجارية وأحنته إلا عصر الخالية من أمر الله وسر ملكوت فارجمهما([382]) ولا تسطدهما([383]) بهما إلى استنباط ما لا تعلمه أنت ولا هما من مضمون الحكمة ومضمون ما في الصحف الأولى التي لم تغير ولم تبدل، وأمرهم أبو حارثة أن يصيروا إلى صحيفة شيت([384]) الكبرى التي انتهى ميراثها إلى إدريس النبي صلى الله عليه.

قال وهب: وكان كتابتها بالقلم السرياني القديم وهو الذي كتب به من بعد نوح عليه السلام ملوك الهياطالة وهم النمارد.

267 / 398
ع
En
A+
A-