قال وهب: قال لي ذلك الرجل النجراني فكان الذي([357]) عندهما أن ينقاد لما يدهمهما من هذا الخطب، ولا يظهرا شماسة منه ولا يفورا إحذرا أن يطرقا المظنة فيه إليهما، وأن يكونا أيضاً أول مغير للجامعة، ومستحل([358]) لها ليلاً يعتاب شيئ من ذلك المقام والمنزلة عليهما.

ثم يستنير([359]) الصواب في الحال ويستنجدانه ليأخذا بموجبه، فتقدما لما تقدم في أنفسهما من ذلك للجامعة وهي بين يدي أبي حارثة، وحاذاهما حارثة بن أثال وتطاولت إليهما فيه الأعناق، وحفت رسل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بهم فأمر أبو حارثة بالجامعة ففتح طرفها واستخرج منها صحيفة آدم الكبرى المستودعة علم ملكوت([360]) الله جل ثناؤه وما ذرأوبرأ في أرضه وسمائه، وما وصلهما به جل جلاله من ذكر عالميه وهي الصحيفة التي ورثها شيت من أبيه آدم عليه السلام عما وعى من الذكر المحفوظ، وقرا القوم السيد والعاقب، وحارثة في الصحيفة تطلبا لما تنازعوا فيه من بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفته ومن حضرهم يومئذ من الناس إليهم مصبحون مرتقبون لما يستدرك، من علم ذلك فالفوا في المسباح الثاني من فواصلها: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم: معقب الدهور، وفاصل الأمور تسببت بمشيئتي الأسباب، وذلت بقدرتي الصعاب، وأنا العزيز الوهاب، الحكيم الرحمن الرحيم، أرحم وأترحم سبقت رحمتى غضبي، وعفوي عقوبتي، خلقت عبادي لعبادتي، والزمتهم حجتي، إلا أني باعث فيهم رسلي ومنزل عليهم كتبي، أبرم ذلك من لدن أول مذكور من البشرى أحمد نبيي وخاتم رسلي، ذلك الذي أجعل عليه صلواتي وأسألك في قلبه بركاتي، وبه أكمل أنبيائي وقدرتي.

قال آدم: إلهي من هؤلاء (من) الرسل، ومن أحمد هذا الذي رفعت وشرفت؟

قال: كل من ذريتك وأحمد عاقبهم ووارثهم.

قال: رب بما أنت باعثهم ومرسلهم.

قال: بتوحيدي، ثم أقفي ذلك بثلاثمائة شريعة وثلاث عشرة شريعة أنظمها وأكملها لأحمد جميعاً ناديت([361]) لمن جاءني بشريعة منها مع الإيمان بي وبرسلي أن أدخله الجنة.

قال آدم عليه السلام: حق لمن عرفك يا إلهي بنعمتك أن لا يعصيك بها،، ولمن علم سعة([362]) رحمتك ومغفرتك أن لا تيأس منها قال الله تعالى: أتحب يا آدم أن أريك أمثال هؤلاء الذين أكرمتهم واصطفيتهم على العالمين.

 قال: نعم أي رب، فمثلهم الله تبارك وتعالى له على قدر منازلهم ومكانتهم من فضله عليهم ونعمته [157-ج ] ثم عرضهم عليه أشباحاً وذرياتهم، وخاص أتباعهم من أممهم وعامتهم؛ فنظر إليهم آدم عليه السلام وبعضهم أعظم نوراً من بعض؛ فإذا أفضل أنوار الخمسة من أصحاب المقامات والشرائع من الأنبياء على سائر الأنبياء كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وفضل العاقب.

قال وهب: هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عظم نوره على الخمسة كفضل الخمسة على الأنبياء جميعاً ونظر فإذا خاصة كل نبي وعامته في قومه ورهطه آخذون [73أ-ب] بحجره ذلك النبي من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله تتلألأ وجوههم، وتشرق جباههم نوراً وذلك بحسب منزلة ذلك النبي من ربه، وقدر منزلة كل واحد منهم من نبيه، فسأل آدم ربه فقال: نبئني بأسمائهم وأسماء هؤلاء الخمسة العظماء من الأنبياء وخواصهم الذين اصطفيتهم ببركاتك وتطهيرك وصلواتك وأعليت([363]) أنوارهم وخواصهم معهم على الخلائق جميعاً فقيل له: هؤلاء ذووا العزم من عبادي المرسلين، وهذا عبدي نوح أبوهم وفاتحتهم ذوا العمر الطويل منهم، وهذا وصية.

قال وهب: وهو سام بن نوح، وهؤلاء الصالحون الأماثل من ذريته القوامون بديني في عبادي كلما مضى منهم سلف قام بديني منهم خلف احتج به في خلقي، فلا يزالون بذلك حتى ينقضي الأجل الذي كتبت لعبدي نوح ولأمته من بعده، وهذا العابر من بعده الآخذ بمنهاجه الموفى على سبيله فهو إبراهيم عبدي ورسولي اتخذته لعلي([364]) خليلا وجعلته لذريتك إماما، وهذان إسماعيل وإسحاق ابناه ووصياه تحلهما([365]) النبوة وجعلت في ذريتهما الكتاب والإمامة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا وذريته أولهما بسطة وسلطان.

265 / 398
ع
En
A+
A-