قالا: من حيث جاءتنا فيه بينه من تباشير الأناجيل والكتب الخالية.
قال: فقد وجب هذا لمحمد عليكما في طويل الكلام وقصيره وبدئه وعوده فمن أين زعمتما أنه ليس بالوارث الخاتم، ولا المرسل إلى كافة البشر.
قال: لقد علمت وعلمنا فيما يمتري([352]) أن حجة الله لم ينتهي أمدها، وأنها كلمة الله جارية في الأعقاب ما اعتقب الليل والنهار، وما بقى في الناس شخصان، وقد ضننا من قبل أن محمداً ربها وأنه القائد بزمامها، فلما أعقمه الله بمهلك الذكور من ولده علمنا أنه ليس به لأن محمداً أبتر وحجة الله الباقية، ونبيه الخاتم بشهادة كتاب الله المنزلة ليس بأبتر؛ فإذا هو نبي يأتي([353]) بعد محمد اشتق اسمه من اسم محمد، وهو أحمد الذي نبأنا المسيح باسمه ونبوته ورسالته الخاتمة، ويملكه الله القاهرة الجامعة للناس جميعاً على ناموس الله الأعظم ليس لطهره([354]) دينه ولكنه من ذريته وعقبه يملك قر الأرض وما بينهما من كور وسهل وصخر وبحر ملكاً مؤزراً وموطأ وهذه أنباء أحاطت سفرت الأناجيل بها علماً وقد أوسعناك بهذا القيل سمعاً وعدنا لك به أنفعه بعد سالفة، فما أريك إلى تكراره.
قال حارثة: قد أعلم أني وإياكما في رجع من القول منذ ثلاث وما ذاك إلا لتذكر ناس، وترجع فارط وتطمئن لنا الكلم، وذكرتما نبيين يبعثان يعتقبان بين مسيح الله والساعة قلتما وكلاهما من بني إسماعيل أولهما محمد بيثرب، وثانيمها: أحمد العاقب، فأما محمد أخو قريش هذا القاطن بيثرب فأنا به حق مؤمن أجل، وهو والمعبود أحمد الذي نبأت به كتب الله ودلت عليه آياته، وهو حجة الله ورسوله الخاتم الوارث حقا فلا نبوة، ولا رسول لله غير ابن البتول والساعة غيره، بلا ومن كان منه من ابنته البتول والساعة غيره بلا ومن كان منه من ابنته البتولة الصديقة وأنتما ببلاغ الله إباكما من نبوة محمد في أمر مستقر ولولا انقطاع نسله لما ارتبتما فيما زعمتما أنه السابق العاقب.
قالا: أجل إن ذلك لمن الكبر في إمارته عندنا.
قال: فأنتما والله فيما تزعمان من نبي يأتي من بعده في أمر ملتبس، والجامعة تحكم في ذلك بيننا فنادى الناس من كل ناحية، وقالوا الجامعة يا أبا حارثة الجامعة، وذلك لما مسهم من طول تحاور الثلاثة من السآمة والملل وظن القوم مع ذلك أن الفلح لصاحبيهم بما كانا يدعيان في تلك المجالس من ذلك فانتقل أبو حارثة إلى علج واقف منه أمما [72ب-ب] فقال امض يا غلام، فات بها، فانطلق فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتمالك([355]) بها لثقلها.
قال وهب: حدثني رجل صدق من النجرانية فيمن كان يلزم السيد والعاقب ويخف لهما في بعض أمورهما، ويطلع على كثير من شأنهما [156-ج].
قال: لما حضرت الجامعة بلغ ذلك من السيد والعاقب كل مبلغ لعلمهما بما يهجمان عليه في تصحفهما من دلائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر أهل بيته وأزواجه وذريته وما يحدث في أمته وأصحابه ومن بوائق الأمور من بعده إلى فناء الدنيا وانقطاعها فأقبل أحدهما على صاحبه، فقال: هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه لقد شهدته أجسامنا[102أ-أ] وغابت عنه آراؤنا بحضور طعامنا، وسفلتنا، ولقل ما شهد سفهاء قوم مجمعة إلا كانت لهم الغلبة.
قال: الآخر فهم شر غالب لمن غلب إن أحدهم ليفيق بأدنى كلمة ويفسد في بعض ساعة مالا يستطيع الأبي الحليم له رتقا ولا لحول البطيش إصلاحا في حول مخرج ذلك لآن السفيه هادم والحليم بانٍ وشتان بين البناء والهدم.
قال: وانتهز حارثة الفرصة فأرسل في سر وخفية إلى النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستحضرهم استظهاراً بمشهدهم فحضروا فلم يستطع الرجلان فض ذلك المجلس ولا أرجاه، وذلك لما تبينا من تطلع عامتهما من نصارى نجران إلى معرفة ما تضمنت الجامعة من صفة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وانبعاثهم([356]) له مع حضور رسل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، وتأليب حارثة عليهما فيه وضعف أبي حارثة شيخهم إليه.