قال: التوحيد، ألم تعلم يا عبدي أنك لو أتيتني بعمل أهل السماوات والأرض جميعاً منذ خلقهما([337]) إلى يوم القيامة ما بلغت شكري إن جعلتك تؤمن بي ولا تشرك بي شيئاً، ثم قال لهم: تمسكوا [100ب-أ ] إن أنتم قبلتم وصاه فينجيكم بعهد سيدكم عيسى صلى الله عليه إنه لما أذنه الله بفراق قومه دعاهم فوصاهم، وقال لهم في آخر عهده إليهم: إنكم شرذمة قليلون، وكثر عدوكم، فاخرسوا بالتقية والحذار أنفسكم وأوكوا أفواهكم وألسنتكم، وإياكم أن تلقوا بواقيتكم، وقد سكم إلى خنازيركم فتطفؤا بذلك مصابيحكم.

قالوا: يا روح الله، وكيف تلقى قدسنا ويواقيتنا إلى خنازيرنا.

قال: إنما ضربت ذلك لكم مثلاً لا تظهروا على الحكمة غير أهلها فتسفكوا بذلك دماءكم وتسخطوا عليكم بارئكم، ثم اعلموا: أن أيام الباطل ودولته طويلة، وأول ذلك ما كان منها شأن أبيكم آدم عليه السلام، فإنه لبث في الأرض ألف عام منذ أهبطه إلى أن قبضه، فلم يمت حتى رأى من ذريته وذرية الذرية، من ولده ونسله أربعين ألفاً من بين ذكر وأنثى وجلهم أو قال: أكثرهم من ولد قابيل الشقي وعلى طريقته الخبيثة إلا شرذمة قليلة كانوا على منهاج آدم وسبيله، ولم يمت آدم عليهم السلام حتى تنكرت له البلاد، وظهر([338]) له في ذريته الخبث، والفساد من طواغيتهم عدوه إبليس ومعصيتهم له فتمن الموت حينئذٍ، واشتاق إلى وطنه في الجنة، فوهب الله تعالى على آخر عمره، وبعد إبانته([339]) من يصلح يقوم مقامه ابنه هبة الله، وهو شيت([340])؛ فلما حضرت آدم عليه السلام الوفاة دعا ابنه شيت([341]) فقلده وصيته وعهده وأطلعه على اسم الله تعالى الأعظم الذي لا ينبغي إلا له سبحانه وأظهره على مقاليد الحكمة، والأسماء التي أنبأه الله تعالى بها، وكل ذلك في خفية وسر([342]) من قابيل وذريته، وقال له: أحذرك يا بني جميع أولئك.

قال: ثم أقبل المسيح صلى الله عليه على أصحايه؛ فقال: وأنا آمركم يا هؤلاء بما أمر آدم عليه السلام ابنه: اعبدوا الله في السر والعلانية يؤتكم الله بذلك أجرين، ويجعل لكم من لدنه نورين.

قال المسيح عليه السلام: وأكرر عليكم بذلك قولي ووصايتي أن([343]) لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم؛ فلما فرغ أبو حارثة من كلامه هذا [154-ج]، وعهده إليهم استحثهم على قبض ما كان إليه من ذلك فأسرع الرجلان السيد والعاقب إلى قبول ذلك عنه، وأمسك حارثة بن أثال فلم يشركهما في شيء منه. وكان متألِهاً فكره منافستهما في الأمر لما رأى من حرصهما عليه، ولم يكن([344]) بنجران عشيرة تدافع عنه، ولا فيه يتمتع بها.

قال وهب: وأوصى([345]) أبو حارثة بالأمر إليهما: إلا الجامعة فإنه لم يكن يقبضها آخر عن أول إلا في حال وفاته، وكان ذلك جارياً فيهم كالعهد والوصية لأنها كانت جامعة لما ورثت الأنبياء أوصيائها من العلم والحكمة، وكانت فيهم كالأمانة المستحفظة؛ فلما ثبت للسيد وصاحبة المنـزلة واستتب لهما الأمر خرج حارثة مهاجراً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يطلعهما على الوجه الذي يعمد له؛ فقدم مكة وذلك من قبل الهجرة فأسلم وأقرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن [101أ-أ] أبي حارثة السلام وأخبره بإيمانه وما خلى من عمره وقال: إنه لا يستطيع أن يستمسك على الرجل كثيراً ؛ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيراً، ثم إن حارثة استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المقام عنده بمكة فقال: أما اليوم فليست بدار مهاجر لمؤمن أو لمؤمنين، ولكن سيكون ذلك في آخر أمتي؛ فارجع إلى صاحبك فيوشك أن يؤذن لي دار مهاجرتي، ثم لا يلبثون([346]) إلا يسيراً حتى تأتيكم رسلي، فإن كنت حياً يومئذٍ فاتني فأقتعد حارثة راحلته، ووجه من صدرها يوم نجران فقدمها مسدفاً [وجه ليل]([347]) وأقبل بمطيته حتى طرق أبا حارثة؛ فاعلمه بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإسلامه معه فطوى عن السيد والعاقب ما كان من شأنه وإسلامه؛ فلم يظهرهما عليه.

قال وهب: ولم يلبث الرجلان يعني: السيد والعاقب إلا قليلاً حتى سوقت([348]) [72أ-ب] لهما الدنيا، وراقتهما بغرورها، وخدعها فأقطعا إليها، وأخلدا إلى بذلها([349]) وابتغيا الوجه والعلياء في قومهما فأدا لذلك ما كانا يعظمان من دينهما ثم انسلخا من جميعه انسلاخ الحية من جلدها، وكانا يمحضان التوحيد، فحالا عن ذلك، ودانا بقول أصحاب التثليث فزعما أن القديم جل وتعالى جوهر بثلاث سمات، أو جهات، وهو الأب، والإبن، وروح القدس وشبها ذلك بالشمس جوهرها واحد وجهاتها ثلاث، وهي القرص، والضياء، والإحراق، واحتج بقولهما هذا الكذاب بأمحل من السراب وذلك أن شبه الخالق بالمخلوق، والصانع بالمصنوع فتهوكا وظلا بذلك ظلالاً بعيداً.

قال: ولم يغيرا بعدما ظهرا به من كفرهما إلا قليلاً حتى انصرفت لذلك وجوه كفرت كفرت النصارى إليهما ؛ فأقبلت قلوبهم عليهما، وبلغت بهما الأيام حتى طمحت نحوهما الأبصار، ومدت إليهما الأعناق وكاتبتهما الملوك الآكابر فأطغاهما ذلك، واستر لهما حتى ذهبت بهما الفتنة فيه كل مذهب، ولما بلغهما ما هيا الله لنبيه –صلى الله عليه وآله وسلم- من الفتح والنصر كربهما ذلك، وشق عليهما وذلك لما [ثبت إليه]([350]) استشعرا من ركود ريحهما وزوال عزهما وأمرهما به ثم عاد وهب إلى حيث ما انتهى إليه من تجاوزهما.

قال وهب: فلما كان من الغد سار أهل نجران إلى بيعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثة على اقتباسه وتبيينه من الجامعة فلما رأى السيد والعاقب اجتمع الناس لذلك قطع بهما لعلمهما بصواب قول حارثة فاعترضاه ليصداه عن تصفح الصحف عن أعين الناس وكان من شياطين الإنس؛ وقال السيد: إنك قد أكثرت وأمللت فقص لنا [155-ج] الحديث من قصة، ودعنا من تبيانه؛ فقال حارثة: وهل ذلك إلا منك وصاحبك فمن الآن فقولا ما شئتما، فقال العاقب: وهل مِن مقال إلا ما قلنا وسيعود فنخبر بعض ذلك لك تخييراً غير كاتمين لله الحجة، ولا جاحدين له آية ولا مفترين مع ذلك على الله لعبد أنه مرسل منه، وليس برسوله فنحن يا هذا نعترف بمحمد أنه رسول من الله إلى قومه من بني إسماعيل في غير أن يحب له بذلك على غيرهم من عرب الناس ولا أعاجمهم تباعة ولا طاعة بخروج له عن ملة، ولا دخول معه في ملة إلا قرار([351]) له بالنبوة والرسالة إلى أعيان قومه [101ب-أ].

 قال حارثة: وبما شهدتهما له من الرسالة والنبوة؟

263 / 398
ع
En
A+
A-