ولا دافعاً منه دواءً وأطيب
لبست شبابي كله ومشيبي
وغاب قروني منهم وضروبي
ثم أقبل عليهم وقال: إن الله تفرد بالكمال، ولم يعرأ أحداً من خلقه من النقصان، فمن كان نقصه فيما ينتقل عنه، وزيادته فيما يصير إليه فذلك السعيد.
واعلموا حق العلم أن فضل ما تنقلون إليه في آخرتكم، ما تطعنون عنه من دنياكم هذه من النعيم، أو البؤس والسعة، أو الضيق، كفضل ما أنتم فيه على ما([328]) عنه من بطون أمهاتكم، ثم اعلموا أنما تستقبلون في مأربكم من سعادة أو شقا إن ذلك في دار مقامه، وبقا لا فنا لذلك، ولا انقطاع، وأعوذ بالله الرحمن([329]) الرحيم أن يكون لي ولكم محبة في غير محبته، أو هو فيما يلبس من عفوه، وتعمده وأنا مفض إليكم أيها الأخوة السعداء بما نطق فيه منذ سبعين عاماً من تدبير أهله، وما اشتمل [100أ -أ ] عليه هذا البيت العظيم، والكرسي الكريم من الأمانة المستحفظة، والحكمة الموروثة عن أركان أنوار الله القائمين له بدينه من لدن أول منفطر من البشر آدم عليه السلام، ثم إلى كلمة الله ومسيحه وابن أمته البتول عيسى بركات قدَّس الله وكوامل تحياته عليه وعليهم جميعاً([330])، فخذوا ما آتاكم الله تعالى من هذا المقام بحقه، وناصحوا الله فيما استرعاكم من أمانته، وكونوا لملتكم وأباء ملتكم في حسن ملابستكم وملازمتكم وحنان ترفقكم بطباعهم بمنزلة الأسي الرفيق الذي يحمل كل غصون من الدواء بحسب ما تضمن من الدا قولوا: الخير واعملوا به تكونوا من أهله، وأجدر حينئذٍ([331]) أن يقبل حينئذٍ ذلك عنكم اخلصوا أعمالكم، وأحسنوا له سرائركم، فإن المسيح سيدكم، قال وهو في ملا من بني إسرائيل: إنكم لن تبلغوا والله أن تكونوا لملوك الجنة حتى يكون ما تسرون من الخير أكثر مما تظهرون، أثروا والله يؤثركم، وتقربوا إليه بطاعتكم يحببكم.
ألا أخبركم عن بعض ما ناجى به موسى صلى الله عليه وسلم- ربه تعالى.
قال موسى بن عمران: يا رب الأنام أخبرني بأكرم خلقك عليك.
قال: الذي يسرع إلى مرضاتي إسراع المبشر إلى هواه، والذي يكلف بعبادتي، كما تكلف([332]) الصبي بما([333]) يحب، والذي يغضب لي إذا انتهكت محارمي كما يغضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا حرب لم يحفل بكثرة من يرى، وإن أتى ذلك على نفسه، ثم قال: ألا أنبئكم بما هو أملك بكم من ذلك كله.
قالوا: قل يا أبانا.
قال: أن تعبدوا الله ربكم ورب آبائكم الأقدمين إله العالمين بادئ المعلومات وبادئ [153-ج] المبتدعات فاطر الأعيان، وموجدها لا من معدن منسوب، فاذكروه بما يستحقه سبحان لاهوته وبما ينبغي له من اضطرارات توحيده ثم اعلموا: أن بن مريم عبْدٌ من عبيده خلقه من غير فحل وأنطقه بالحكمة براءة وبينة لأمة، وآية له في قومه، ثم أثره ربه فأقدره على الأفعال الإلهية، إمارة بين الحجة والمحجوج، فأحياء الميت وأبرأ الأكمه، وشفاء الأبرص، وخبّر بما في البيوت والنفوس، هذا ولم ينفك في جميع متقلبه([334]) من هيئة المضطربين([335])، وثمة([336]) المعلولين يشهد اختلاف أطباقه وائتلافها على حدثها وبراه محدثها من شبهها، ويعترف إنشاؤه في بطن أمه، وولهه إلى ثدي به نمو تراكيبه وانتهائه، واختلاف سجياته، وهيئاته في جميع ما كان بصدده من جوع، وشبع، وراحة، ونصب، وصحة، وسقم، وسرور، وحزن إنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله له ذلك، فإن الله تعالى [72ب-ب] ربه بخلافه وخلاف مبتدعاته من جميع وجوهها وجهاتها وأبشركم إن تقررتم بذلك علماً واستشعرتموه دينونة وعقلاً بالبشرى أتدرون يا أبنائي ما البشرى هي والله النعمة الكبرى، ثم أنشاء أبو حارثة يحدثهم قال: ثبت أن سليمان بن داود صلى الله عليهما أثناء على ربه يوماً بالنعمة، وما وهب الله له من الملك الذي لم يؤت مثله أحداً من خلقه، فأوحى الله إليه أفلا تشكرني يا ابن داود على نعمتي الكبرى عليك.
قال: وما تلك النعمة يا رب.