قالوا: هذه بشرى([324]) فلو فسرت ما البشرى.
قال: إن النبي المنعوت في الصحف المبتعث بكسر الأصنام وهلكة الأزلام وجذ الشرك بالحسام محمد عليه السلام قد بعث من هذا العام ثم قال: أليس بعام أربعين من مقدم أصحاب الفيل.
قالوا: بلى.
قال: فهو والله ما قلت لكم.
فارتقبوا خبره، فسألوا عن الأمة فوجدوه حقاً فحذلوا([325]) لذلك، واستبشروا به ثم فحصوا عنه بعد عدة أحوال فخبروا بما يلاقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قومه من التكذيب والأذى الشديد، وكذلك بما يلقى أصحابه من النكال، وغليظ العذاب، فقطع من كان أعلا بالتوحيد منهم واستيأسوا من أن يروا من هناك روحاً وفرجاً، وقال قائلهم: هذا الذي كنا نرجوا [99ب-أ ] الفلاح والنجاح والنجاة من قومنا فهو الآن وأصحابه على أمر عظيم من شدة المخاوف والعذاب أليس من قومه، فأمعن بعضهم في البلاد هرباً وتردى([326]) بعضهم من دينه إلى كفار قومه وأمسك أبو حارثة على ما كان في نفسه، فكان يعبد الله بالتقية والإسرار بدينه، فسلم هو ونفر معه كانوا على منهاجه من معرة قومهم، ولم يزل أبو حارثة فيهم معظماً لمكانه في دينهم.
قال وهب: وكان السيد والعاقب وحارثة بن أثال أعلم نصارى نجران في ذلك الزمان بعد أبي حارثة بل لم يكن في عصرهم في سائر الأقطار من ترمية الأبصار من النصارى مثل هؤلاء الثلاثة حكمة وعلماً.
قال وهب: ولما رأى أبو حارثة ما نالته به الأيام من خيانة [152-ج] الأوصال أبصر ما بلغ به الكبر من تخرم القوة وتقاعد الضعف به عما كان ينهض إليه من إقامة الناموس وتدبير أهله أشفق إن لم يفض بما في عنقه من ذلك إلى من هو أحمل له عنه أن يحتقب بإضاعته، وإهماله إثماً عظيماً، فدعى النفر الثلاثة حارثة، والعاقب، والسيد، وألقى إليهم ما عرض له، وشاورهم من ذلك، وأعلمهم بما هو وجل أن يفجاءه ويسعيه من المنية ليصرم أجله فردوا إليه من نفسه، وسكنوا من جأشه، وذكروا في قولهم سلامه إيضاعه واعتدال أجزائه، وقالوا له: إنه لم ينصف من عمرك ما نرجوا انتظام جميعة لك.
فقال: حسبكم ويحكم فإن المنية وإن لم تستوف شيخكم موتاً فقد توفته هرماً.
قالوا: فاستمش واستبدل بالبياض حوناً([327])، فإنه أمثل فتضاحك إليهم، وقال: وأبيكم إنكم لتعلمون أن الشباب لا يدرك بالخضاب، ولا البقاء بالدواء، وإنما هي عواري أنفاس لا زيادة فيها ولا نقصان، ثم قال: ويمثل مستعبراً:
|
وساق إلي الدهر ما ليس نافعاً |