قال: أفليس لهذا القبل لهذه الحال مع طول اللوائم والخصائم عندكما مستقرة؟
قالا: أجل.
قال: الله أكبر.
قالا: كبرت كبيراً، فما دعاك إلى ذلك؟
قال حارثة: الحق أبلج والباطل لجلج، ولنقل ما البحر وشق الصخر أهون من إماتة ما أحياه الله وإحياء ما أماته الله، الآن فأعلما أن محمداً غير ما أبتر وأنه الخاتم الوارث، والعاقب الحاشر حقاً، فلا نبي بعده وعلى أمته تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها وإن من ذريته الأمير الصالح الذي بينتما ونبأتما أنه يملك مشارق الأرض ومغاربها ويظهره الله بالحنفية الإبراهيمية على النواميس كلها.
قال: أولى لك يا حارثة لقد أغفلناك وتأبى إلا مراوغة كالثعالة فما تسام المنازعة، ولا تمل من المراجعة، ولقد زعمت مع ذلك عظيماً، فما برهناك به؟
قال: أما وجدكما([321]) لآتينكما ببرهان يجير من الشبهة ويشفي به جوى الصدور، ثم أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة شيخهم وأسقفهم الأول فقال: إن رأيت أيها الأب الأثير أن تؤنِّس قلوبنا، وتثلج صدورنا بإحظار الجامعة والزاجرة.
قال وهب: وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع وذلك لما خلقت الشمس، وركدت وفي زمن قيظ شديد فأقبلا على حارثة فقالا: لاأرج هذا إلى غد فقد بلغت [99أ-أ ] القلوب من([322]) الصدور[151-ج]فتفرقوا على إحضار الزاجرة والجامعة من غد للنظر فيهما والعمل بما يثيران.
قال وهب: وكانت الزاجرة صحيفة عظيمة من رق قديم من جلود الظباء مسطرة بخط الحصين بن أبرهة جد أبي حارثة عن إملاء الربيع بن ناط التلميذ صاحب كرسي نجران وعليه كان الربيع قد اكتتبها عن شمعون بن خبوان راس الحواريين، فأما الجامعة فإنها كانت حاوية للصحائف التي وقعت إليهم عن الآباء والتلاميذ من إرثهم عن شمعون الصفاء مما استنسخ وورث من صحف آدم وشيث، وإبراهيم وموسى وسليمان وأصفيا ودانيال والمسيح عليهم السلام، وكانت ظرفا قد ألبس أديما.
قال وهب: وكان المؤتمن على فتحها وخزنها شيخهم وأسقفهم القديم أبا حارثة لا ينبغي ذلك لغيره فيهم لوراثته ذلك المقام عن أسقف الأساقفة منهم خيوان بن تومان ووصيته إليه في ذلك، وكان آخر من بقى من جملة الحجة في أهل دين النصرانية رجلان بحيرا بن عبد الملكوت راهب بصرى الشام وهو الذي رد عليه رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- مع عمه أبي طالب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غلام لم يبلغ الحلم، والآخر أبو حارثة: حصين بن علقمة أسقف نجران، فلما مات بحيرا انفرد أبو حارثة في المشيختين بهذه المنزلة، وكان آخر من ذكر فيهم بها، وكان السيد والعاقب، وحارثة بن أثال، ونفر معهم من علماء نصارى نجران تلاميذ وأتباعاً لأبي حارثة، وكل كانوا معه على طريقة من الحق يوحدون الله، وينزهونه تعالى عن الأنداد، والصاحبة والأولاد، وهم في ذلك مغمورون مقهورون في النصارى، لقلة عددهم فيهم يستسرونا بينهم بدينهم، ويرهبون أن يظهر ذلك من شأنهم، ويرجمون فيهم بكل داهية، وأيده من القول، فإن عُثير على أحدهم هلك([323]) بأخبث قتله ومثل به أنكر مثله، فلبثوا بذلك حيناً حتى طالت بهم الطيل، وبلغ البلا منهم كل مبلغ فاشتكوا إلى أبي حارثة ما يلاقون من عظم الأذى من قومهم، وقالوا: هل تحس لنا يا أبانا فيما تعلم من غياث أو فرج، فأقبل عليهم فقال: نعم، فاصبروا يا بني وابشروا وتمسكوا بما أنتم عليه من الحق فقد طلع النجم الذي تغاثون به.