قال العاقب: أفلح من سلم للحق وصدع به ولم يرغب عنه، وقد أحاط به علما فقد علمنا وعلمت من أبناء([297]) الكتب (السالفة) المستودعة [69ب-ب ] علم القرون وما كان وما يكون فإنها استهلت بلسان كل أمة معربة مبشرة ومنذرة بأحمد النبي العاقب الذي تطبق أمته المشارق والمغارب يملك قومه وشيعته من بعده ملكاً مؤجلا يستأثر([298]) ملكاً على الأعاجم بذلك النبي اتباعه وتبيانه وتوسع أمتهم من بعدهم أمتهم عدوانا وهضما فيملكون بذلك سبباً طويلا حتى لا يبقى بجزيرة العرب بيت إلا وهو راغب إليهم أو راهب لهم، ثم بدل بعد اللائي منهم وتشعب سلطانهم جداً جداً وتنافساً حتى تطمع أمثال النفق من الأقوام فيهم، ثم يملك أمرهم عليهم عبدانهم وقينهم فيملكون جيلاً فجيلاً يسيرون في الناس في العسيرية([299]) خبطاً خبطاً ويكون سلطانهم سلطانا عظوظاً مروصاً فتنتقص الأرض حينئذ من أطرافها ويشتد البلاء ويشمل الأوى حتى يكون الموت أعز من الذهبة الحمراء وأحب حينئذ إلى أحدهم من الحياة إلى المعافى السليم، وما ذلك إلى لما يذهبون به من الضر والضرآ والفتنة الشعواء وأقوام الدين يومئذ وزعمائه أناس ليسوا من أهله فينسخ الدين لهم ويعفوا([300]) بآية ويدثر توليا([301])وإمحاقا فلا يبق منه إلا اسمه حتى ينعاه ناعيه، والمؤمن يومئذ غريب والديانون قليل ما هم حتى تستيئس الناس من روح [97ب-أ ] الله وفرجه إلا أقلهم ويظن أقوام أن لن ينصر الله رسله، ويحق وعده فإذا تناهت بهم المصائب والنقم وأخذ من جميعهم بالكظم تلافى الله سبحانه تعالى دينه وراش عباده من بعد ما قنطوا برجل من ذرية أحمد نبيهم ونجله يأتي به الله من حيث لا يشعرون تصلي عليه السماوات، وسكانها وتفرح به الأرض وما عليها من سوائم وطائر وأنام ويخرج له أمكم يعني الأرض، بركتها وزينتها وتُلقي إليه كنوزها وأفلاذ كبدها حتى تعود كهيئتها على عهد آدم عليه السلام، وترفع عنهم المسكنة والعاهات في عهده والنقمات التي كانت تضرب بها الأمم من قبل، ويلقى في البلاد الآمنة وتنزع جمة كل ذي جمة ومخلب وناب كل ذي ناب حتى أن الجويرية لتلعب بالأفعوان فلا يضرها شيئاً.

وقد يقول الأسد في الباقر كأنه راعيها والذئب([302]) في البهم كأنه ربها، ويظهر الله تعالى عبده على الدين كله فيملك مقاليد الأقاليم إلى بيضاء الصين حتى لا يكون على عهده في الأرض أكتعها إلا دين الله الحق الذي ارتضاه لعباده وبعث به آدم بديع فطرته وأحمد خاتم رسالاته ومن بينهما من أنبيائه ورسله.

فلما أتى العاقب على اقتصاصه هذا أقبل عليه حارثة مجيبا فقال: أشهد بالله البديع يا أيها النبيه الخطير والعلم([303]) الأثير لقد ابتسم الحق بقلبك وأشرف الجنان بعدل منطقك ونزلت [149-ج] كتب الله التي جعلها الله نوراً في بلاده وشاهدة على عباده بما اقتصصت من مسطورها حقا، ولم يخالف طرسا منها طرساً ولا رسم من أيامها رسما فما بعد هذا.

قال العاقب: فإنك زعمته أخا قريش فكنت بما تأثر من هذا حق غالط، قال: وبما لم([304]) تعترف له بنبوته ورسالته الشواهد.

قال العاقب: بلى ولعمر الله ولكنهما نبيان رسولان يعتقبان بين مسيح الله وبين الساعة اشتق اسم أحدهما من صاحبه محمد وأحمد بشر بأولهما موسى وثانيهما عيسى فأخو قريش هذا مرسل إلى قومه، ويكفوه من بعده ذو الملك الشديد، والأكل الطويل أبتعثه الله خاتما للدين وحجه على الخلائق أجمعين ثم يأتي من بعده فترة تنزل([305]) فيها القواعد من مراسيها، فيعيدها الله بالظاهر الجابرمن ذرية أحمد ويظهره الله على الدين كله فيملك هو والملوك الصالحون من عصبته جميع ما طلع عليه الليل والنهار من أرض وجبل وبحر ويرثون أرض الله ملكاً كما ورثها الأبوان آدم ونوح عليهم السلام يلقون وهم الملوك الأكابر في مثل هيئة المساكين بذاذه واستكانة فأولئك الأكرمون الأماثل لا تصلح عبادة الله وبلاده إلا عليهم، ينزل عيسى ابن البشر على آخرهم بعد مكث طويل، وملك شديد، ثم لا خير في العيش بعدهم ويردفهم إجارة الطعام([306]) في مثل أحلام العصافير عليهم تقوم الساعة، وإنما تقوم على شرار الناس وأخابثهم، فذلك الوعد الذي صلى به الله على أحمد كما صلى به على خليله إبراهيم في كثير مما لأحمد من البراهين والتأييد التي خبرت به كتب الله الأولى.

قال حارثة: فما الأمر المستقر عندك أبا واثلة في هذين الاسمين [98أ-أ] إنهما لشخصين لنبيين مرسلين وفي عصرين محتلفين.

قال العاقب: أجل.

قال: فهل يتخالجك في ذلك ريب أو يعرض لك فيه ضن.

قال العاقب: لا والمعبود إن هذا لأجلى من نوح وأشار إلى جرم الشمس المستدير فأكب حارثة مطرقاً وجعل ينكت في الأرض عجباً ثم قال: إنما الآفة أيها الزعيم المطاع أن يكون المال عند من يخزنه لا عند من ينفقه، والسلاح عند من يتزين به لا عند من يقاتل به، والرأي عند من يملكه لا عند من ينصره.

قال العاقب: لقد أسمعت يا حويرث ما فزعت وطفقت بما قدمت فمه.

257 / 398
ع
En
A+
A-