قال العاقب: رويدك فاشهد لقد نبأت حقا.
قال حارثة: فما دون الحق من مقنع ولا بعده إلا أمراً مفزع ولذلك قلت الذي قلت فاعترضه السيد وكان ذا محال وجدال شديد، فقال: ما أجد ما أرى أخا قريش مرسلا إلا إلى قومه بني إسماعيل دينه. وهو مع ذلك يزعم أن الله أرسله إلى الناس جميعا.
قال([282]): ويحك وهل يستطاع دفع الشواهد، نعم أشهد غير مرتاب بذلك وبذلك شهدت له الصحف الدارسة والأنباء الخالية فأطرق حارثة ظاحكاً ينكب([283]) الأرض بسبابته ما أضحكك يا ابن أثال.
قال: عجبت فضحكت.
قال: أو عجب ما تسمع.
قال: نعم العجب أجمع.
أليس بالإله تعجبت من رجل أوتي أثره من علم وحكمة يزعم أن الله تعالى اصطفى لنبوته واختص لرسالته وأيد بروحه وحكمته رجل خراصاً يكذب عليه ويقول أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فيخلط، كالكاهن كذبا بصدق وباطل بحق فارتدع السيد، وعلم أنه قد وهل فأمسك محجوجاً قالوا: وكان حارثة بنجران جنيباً، فأقبل العاقب عليه وقد قطعه ما فرط إلى السيد من قوله فقال([284]): أربع عليك أخا بني قيس بن ثعلبة واحبس عليك ذلق لسانك، ولم تزل([285]) تسحم لنا من مثابة سفهك فرب كلمة لا ترفع([286]) صاحبها بها رأسا قد ألقته في قعر مظلمة ورب كلمة لامت ورأبت قلوباً نفلة فدع عنك ما سبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك [97أ -أ] يا أنيسان([287]) اعتذار ثم اعلم أن لكل شيء صورة وصورة الإنسان العقل وصورة العقل الأدب والأدب أدبان طباعي ومرتاض، فأصلهما أدب الله، ومن أدب الله سبحانه وتعالى وحكمته أن يرى لسطانه حق ليس لشيء من خلقه لأنه الحبل بين الله وعباده والسلطان اثنان سلطان ملكة([288]) وقهر وسلطان حكمه وشرع فأعلاهما مرقا([289]) سلطان الحكمة، وقد نرى([290]) يا هذا أن الله تعالى قد صنع لنا حتى جعلنا حكاماً على ملوك أهل ملتنا، ثم من بعدهم من حشوتهم وأطرافهم فأعرف لذي الحق حقه أيها المرء وخلاك ذم ثم قال وذكرت أخال قريش وما جاء به من الآيات والنذر فأطلت وأعرضت ولقد برزت، فنحن بمحمد([291]) عالمون وبه جد موقنون شهدت لقد انتضمت له الآيات والبينات سالفها وآنفها [148-ج] إلا أنه في أسناها وأشرفها وإنما مثلها فيما جاء به كمثل الرأس من الجسد، فما حال جسد لا رأس له فأمهل رويداً نتجسس الأخبار ونعتبر الآثار ونستشفي ما ألفينا بما أفضى إلينا فإن أَنِسْنَا الآية الجامعة الخاتمة(لديه) فنحن إليه أسرع، وله أطوع وإلا فاعلم ما تذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في أمره ولا تعاين([292]) في حكمه.
قال له حارثة: لقد([293]) ناديت فـأسمعت وقرعت فصدعت وسمعت فأطعت فما هذه الآية الذي([294]) أوحش بعد الأنسة فُقْدها وأعقب الشك بعد البينة عدمها.
قال العاقب: قد أفلجك أبو قرة بها فذهبت عنها في غير مذهب وحاورتنا([295]) فأطلت في غير ما طايل حوارنا.
قال حارثة: وإنى ذلك([296]) فَحِلَّها الآن لي فداك أبي وأمي.