قال: نبي من ذرية إسماعيل صادق ومتنبئ من بني إسرائيل كاذب والصادق منبعث منهما برحمة وملحمة يكون له الملك السلطان [96أ-أ] مادامت الدنيا، وأما الكاذب فله نبر يذكر به المسيح الدجال يملك فواقاً ثم يقتله الله بيدي إذا رجع بي.
قال حارثة: فأحذركم يا قومي أن يكون من قبلكم من اليهود لكم مثلاً إنهم أنذروا بمسيحين مسيح رحمة وهدى، ومسيح ضلالة، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة فجحد، ومسيح الهدى وكذبوا به وآمنوا بمسيح الضلالة المسيح الدجال وأقبلوا على انتظاره فأُضربوا في الفتنة، وركبوا([264]) بفجها.
ومن قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وقتلوا أنبيائه القوامين بالقسط من عباده فحجب الله عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كسبت أيديهم، ونزع ملكهم منهم ببغيهم وألزمهم الذلة والصغار وجعل من منقلبهم إلى النار.
قال العاقب: فما أشعرك يا حار أن هذا النبي المذكور في الكتب هو قاطن يثرب، فلعله ابن عمك صاحب اليمامة، فإنه يذكر من النبوة ما يذكر منه أخو قريش، وكلاهما من ذرية إسماعيل ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوته ويقرون له برسالته فهل تجد بينهما([265]) في ذلك من فاصلة فتذكرها.
قال حارثة: أجل أجدها والله وأكثر، وأبعد مما بين السحاب والتراب وهي الأسباب التي بها وبمثلها ثبتت حجة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه.
فأما صاحب اليمامة فليكفيك فيه ما أخبركم به سُفَّاركم وغيرهم والمنتجعة منكم أرضه ومن قدم من أرض([266]) اليمامة عليكم، ألم يخبروكم جميعاً عن رواد مسيلمة وسماعيه، ومن وفدة صاحبكم([267]) إلى أحمد بيثرب فعادوا إليه جميعاً بما يعرفون هناك من بني قيلة ونبأوا به، قالوا: قدم علينا أحمد بيثرب وبيارنا ثماد ومياهنا ملحة وكنا من قبله نستطيب ونستعذب فبصق في بعضها ومج في بعض فعادت عُذاباً محلولية وحاش([268]) منهما ما كان ماؤها ثماداً فخار بحراً.
قالوا: وتفل محمد في عيون رجال ذوي رمد وعلى كلوم رجال ذوي جراح فبرئت لوقتها عيونهم فما شكوها([269])، واندملت جراحهم فما ألموها في كثير مما أدوا وبينوا عن محمد من دلالة وآية.
وأرادوا أصحابهم مسيلمة في بعض ذلك، فأنعم لهم كارهاً وأقبل بهم إلى بعض بيارهم فمج فيها وكانت الركب معذوبة([270]) فخارت ملحاً، وبصق قي بئر كان ماؤها وشلاً فعادت فلم يمض بقطرة من ماء، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت، وعلى جراح أو قالوا أجراح أخرى فاكتسى جلده برصاً، فقالوا لمسيلمة فيما أبصروا من ذلك واستزادوه، فقال: ويحكم بئس الأمة أنتم لنبيكم والعشيرة لابن عمكم إنكم تخيفتموني بهؤلاء من قبل أن يوحى إلي في شيئ مما سألتم، والآن فقد أذن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بياركم ومياهكم هذا لمن كان منكم بي مؤمناً، فأما من كان مرتاباً فإنه لا يزيده نفثى [69أ-ب] عليه إلا بلاءً فمن شاء الآن منكم فليأتي لأتفل في عينه وعلى جلده قالوا: ما فينا وأبيك أحد يشاء ذلك إنا نخاف [96ب-أ] أن يشمت بنا نبي([271]) أهل يثرب فاضربوا عنه حمية لنسبه فيهم وتذمماً بمكانه منهم فضحك السيد والعاقب حتى فحصا الأرض بأرجلهما وقالا: ما النور والظلام([272]) بين هذين الرجلين صدقاً و([273])كذباً.
قالوا: وكان العاقب أحب مع ما تبين من ذلك أن سد مأوى الحق والباطل بأشد بياناً وتفاوتاً مما فرط من تفريطه (مسيلمة)([274]) وتوثل منزلته لتجعله للرسول [147-ج] صلى الله عليه وآله وسلم كنفاً استظهاراً بذلك في بقاء عزه وما طار له من السهو في أهل ملته فقال فلان (هو)([275]) فخر بني([276]) حنيفة بني وفي زعمه أن الله أرسله، وقال من ذلك ما ليس له([277]) بحق فلقد تلقى([278]) من قومه نقل قومه من عبادة الأوثان إلى الإيمان بالرحمن.
قال حارثة: أنشدك بالذي دحاها وأشرق بإسمه قمرها هل تجد فيما أنزل الله في([279]) الكتب السالفة: يقول الله أنا الله لا إله إلا أنا ديان يوم الدين أنزلت كتبي وأرسلت رسلي لاستنقذن بهم عبادي من حبائل الشيطان وجعلتهم في بريتي وأرضي كالنجوم الدراري في سمائي فهم يهدون([280]) بوحي وأمري ومن أطاعهم (فقد) أطاعني ومن عصاهم فقد عصاني وإني([281]) لعنت وملائكتي في سمائي وأرضي من جحد بربوبيتي أو عدل بي شيئاً من بريتي أو كذب بأحد من أنبيائي ورسلي أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيئ أو عمص سلطان أو تقمصه متبريا أو أكمه عبادي وأظلهم عني أن لا يعبدونني من عرف ما أريد في عبادتي وطاعتي من خلقي فمن لم يقصد إليَّ من السبيل التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادتي مني إلا بعدا.