قال عبد الوهاب بن همام: وأنشدنيه عبد الصمد بن معقل روايته:
|
متى ما نفد بالباطل الحق يأبه |
وإن قدت بالحق الرواسي تنقد
ظلت([237])
وإن تقصد إلى الباب تهتدي
ثم استقبل السيد والعاقب والقسيس والرهبان، وكافة نصارى نجران بوجهة لم يختلط([238]) معهم أحد من عربهم ومن أوعب من الناس معهم فقال: سمعاً سمعاً يا أبنا الحكمة، وبقايا حملة الحجة إن السعيد والله من نفعته الموعظة، ولم يعش عن التذكرة، ألا إني أنذركم وأذكركم قول مسيح الله عز وجل لحواريه: أنه من عمل بطاعة ربه وأئتمر([239]) بالنصح لخلقه دعته الأرواح الطاهرة عظيماً في ملكوت السماوات والأرض وهذا مقام ناصح لكم جدب عليكم يقر بعينه ما رأت صدعكم ولم شعثكم قالوا: هات نصيحتك وما بصرت فنعم الأخ والجار أنت يا حارثة، قال: يا قوم إن كنتم لحرب محمد تحشدون فقد بلغتم ما بغيتم وإن كنتم لربه تحادون ولبارئكم جل جلاله تحاربون فاعلموا حق العلم أنه من يحارب الله يحرب، ومن يغاليه يغلب، ومن يحادده ([240])يذل، ومن يعصيه يقل، ثم أمسك، قالوا: قد قلت فلم تقل خطلاً فما بعد هذا، قال: أتعلمون بلى والله أنكم لتعلمون أن روح الله وكلمته أمر التلاميذ أن يجمعوا له من آمن به من أهل إيليا، والعربا من أهل ناصرة وسورية فجمعوا له على قارة أو قروه، فأقبل عليهم([241]) ليلاً وهو آخذ بيده شمعون الصفا، فقام فيهم ووعظهم ثم قال: هل تسمعون ألا تسمعون با مطايا الأسفار، وأبناء الليل والنهار، ويا مستودعي العقول أتسمعون، قالوا: سمعنا يا روح الله فقل، قال: قد حضرتني أجسادكم فلتحضرني قلوبكم فإني ماض صباح ليلتكم هذه أو ممسي يومها إلى أبي وأبيكم فإنه والله ما تطلع النيران شمس الله وقمره الآن ولا يغربان على أهل حق سواكم، فإنكم حقا لأنتم السعد إن تمم الله لكم نوركم، ولم تطفئوا مصابيحكم فاحفظوا وصاتي ثم اجعلوها مضمون قلوبكم فإنكم إن تمسكتم بما وصيتم، ورعيتم ما استحفظتم لم تركد ريحكم، ولم ينسخ الله عزكم، وإن([242]) ذهبتم وتوليتم فلست عليكم برقيب وإن عليَّ إلا البلاغ المبين.
إني آمركم يا قوم باثنتين، وأنهاكم عن اثنتين: آمركم بحفظ ما شرع لكم من دين ربكم والاستضاء بعدي بنور أخيكم [68أ-ب] هذا وضرب بيده على صدر شمعون بن برخيا وصيه وهو مائل إلى جنبه، فقال: اتبعوه بعدي تستقيموا وتفلحوا وأطيعوه تهتدوا، ثم الطاعة لمن قام بالأمانة والأناجيل من بعده أطيعوهم فانهم أمنة الله ونوره فيكم، وأنهاكم عن أثنتين: وأحذركموها أنهاكم عن عبادة شياطينكم من أحباركم ورهبانكم وعن الاعتصام بآرائكم في دينكم وبحق لقد نصحت لكم فلم آل تبصرة لكم ومعذرة إليكم أقول قولي هذا وإني [95أ-ب] لأعلم أنكم بعدي إلى قضا ما تصيرون وفي سابق علم الله تجرون ومالكم بذلك على الله من حجة فلوموا أنفسكم فهي التي سولت لكم، وأفئدتكم فهي التي كسبت وأعينكم فهي التي نظرت، وأسماعكم فهي التي أصغت، وألسنتكم فهي التي نطقت، وأقدامكم فهي التي سعت، وأيديكم فهي التي بطشت، وآرابكم([243]) فهي التي اجترحت([244])؛ فلما أتى المسيح على كلامه هذا أكثر الحواريون ما سمعوا منه وأقبل رتوما الحواري.
فقال: يا روح الله إنك لتنذرنا أمراً عظيما، وتتخوف علينا بلاً موبقاً كبيراً.
قال: وكيف لا أتخوف ذلك وقد أوحى إليَّ ربي فيما أوحى أن قومك لم يلبثوا بعدك إلا فليلا حتى يكونوا في دينهم كالغنم الممطورة، وحتى أن أحدهم لينادي من أمامه فيجيب من ورائه، فاسمع قولي، وجد في أمري وأمر قومك فليأخذوا بطاعتي، وحذرهم معصيتي وأخبرهم أني إذا أُطِعْتُ رضيت [145-ج]، وإذا رضيت باركت، وإذا باركت أثبت، فلا([245]) تعلم نفس قدر طاعتي ومثوبتي، إنما هو عطا بغير حساب، وخبرهم أني إذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت، وإذا لعنت عذبت وإن اللعنة والبركة ليجريان في الأعقاب ما جرى المعتقبان([246]) الليل والنهار، يا ابن أمتي إنما عبادي وخلقي معادن كمعادن القار والذهب، فكل يعمل على شاكلته إن خيراً فخير، وإن شرا فشراً، وإنما لكل امرءٍ عندي ما اكتسب وأما([247]) أنا لخلقي بظلام، فخذ يا ابن أمتي كتابي بقوة، ثم فسره لأهل سوريا بلسانهم وأخبراني([248])، أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم البديع الدائم الذي لا أحول ولا أزول إني بعثت رسلي وأنزلت([249]) كتبي رحمة ونوراً وعصمة لخلقي، ثم إني باعث بذلك نجيب رسا لتي أحمد صفوتي وخيرتي من بريتي البار قليطاً عبدي أرسله من خلق الزمان([250]) ابتعثه بمولده فأران من مقام أبيه إبراهيم أنزل عليه توارة حديثه أفتح بها أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غلفا، طوبى لمن شهد أيامه وسمع كلامه فأمن به واتبع النور الذي جاء به، فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصلي عليه فإني وملائكتي نصلي عليه، قالوا: فما أتى حارثة بن أثال على قوله([251]) هذا حتى أظلم بالسيد والعاقب مكانهما وكرها ما قام به في الناس معرباً ومخبراً عن المسيح بما خبر وقدم من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفاً بنجران ووجهاً عند ملوك النصرانية جميعاً وكذلك عند سوقتهم وعربهم في البلاد واشفقا أن يكون ذلك سبباً لانصراف قومهما عن طاعتهما لدينهما ونسخاً لمنزلتهما في الناس فأقبل العاقل على حالته فقال: أمسك عليك يا حارثة فإن راد هذا الكلام عليك أكثر من قابله ورب قول يكون بلية على قائله وللقلوب نفرات عن الأصداع يمضون([252]) الحكمة فاتق نفورها فلكل نباءٍ أهل، ولكل خطب محل وإنما الدرك ما أخذ لك بنواصي النجاة وألبسك جُنَّة السلامة فلا تعدلن بها حظاً فإني لم ألك لا أبالك نصحاً، ثم أرم يعني امسك، فأحب [95ب-أ] السيد أن يشرك العاقب في كلامه، فاقبل على حارثة فقال: إني لم أزل أتعرف لك فضلاً تميل إليه الألباب فإياك أن تعتقد مطية النجاح أو أن توجف إلى السراب فمن عذر بذلك فلست فيه أيها المرء معذوراً، وقد أعقلك أبو واثلة وهو ولي أمرنا وسيد حضرنا فأوله عتاباً، ثم تعلم أن ناجم قريش يعني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - يكون رزة قليلاً، ثم ينقطع ويخلف من بعد ذلك قرن يبعث في آخره النبي العاقب بالحكمة والبيان والسيف والسلطان تملك ملكاً مؤجلاً يطبق فيه أمته المشارق والمغارب، ومن أمته الأمير الظاهر يظهر على جميع الملكات والأديان يبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار، وذلك ياحار([253]) أمل من ورائه أمل ومن دونه أجل، فتمسك بدينك([254]) بما تعلم ويمتع الله أبوك من أنس منصرم بالرمان أو العارض من الحدثان فإنما نحن ليومنا ولغد أهله.
فأجابه حارثة بن أثال فقال: إيه عليك أبا قرة فإنه لاحظ له في يومه لمن الإدراك([255]) له في غده فاتق الله تجد الله بحيث لا مفزع إلا إليه، وعرضت مشيداً بذكر أبي واثلة فهو العزيز المطاع الرحب الباع فإليكما مع ملقى الرجال، فلوا ضربت [68ب-ب ] التذكر عند أحد لتبرير فضل لكنتماه لكنها أرباب الكلم تهدي([256]) لأربابها ونصيحة كنتما أحق من أصفى بها إنكما مليكا ثمرات قلوبنا ووليا طاعتنا في ديننا والكيس بن الكيس يأيها المعظمان عليكما به ارمقا يدهمكما بواجبه واهجر أسنة التسويف فيما أنتما بعرضه أثرا الله فيما آتاكما يؤثركما الله بالمزيد من فضله ولا تجلد فيما أظلكما([257]) إلى الوثنية([258]) فإنه من أطال عنان الأمن أهلكته العزة ومن افتقد مطية الحذر كان بسبيل آمنٍ من المتآلف، ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به، ومن نصح الله([259]) آنسه الله بعز الحياة وسعادة المنقلب، ثم أقبل على العاقب معاتباً فقال: وزعمت أبا واثلة إن رادَّ ما قلت أكثر من قابله، وأنت لعمرو الله حري أن لا تؤثر بهذا عنك، فقد علمت وعلمنا أمة الإنجيل معاً سيرورة ما قام به([260]) المسيح في حواريه ومن آمن له من قومه، وهذه منك فهَّمةٌ لا يرحضها إلا التوبة والإقرار [146-ج] بما سبق به الإنكار فلما أتى على هذا الكلام صرف إلى السيد وجهه وقال: لا سيف إلا ذو نبوة ولا حليم إلا ذو هفوة فمن نزع عن وهله، وأقلع فهو السعيد الرشيد، وإنما الآفة في الإصرار وعرضت بذكر اثنين([261]) يخلفان زعمت بعد بن البتول فأين يذهب بك عما خُلِّدَ في الصحف من ذكر([262]) ذلك ألم تعلم ما نبأنا به المسيح في بني إسرائيل وقوله لهم: كيف بكم إذا ذهب بي إلى أبي وأبيكم([263]) وخلف بعد أعصار تخلوا من بعدي وبعدكم صادق وكاذب.
قالوا: ما صادق وكاذب يا روح الله.