قال أبو الفضل([215]): وما وجدت هذا الحديث إلا عنده.
قال: حدثني أبو عبد الغني الحسن بن علي المعاني الأزدي بمعان قال حدثني: عبد الوهاب بن همام الحميري أخو عبد الرزاق بصنعاء، قال حدثني: أبي همام بن نافع عن همام بن منبه، عن اخيه وهب بن منبه قال: عبد الوهاب بن همام وحدثنيه عبد الصمد بن معقل، عن عمه وهب بن منبه، قال حدثني: رجال من أصحاب محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – من المهاجرين والأنصار منهم: جابر بن عبد الله بن حزام، وأبو سعيد: سعد بن مالك الخدري، وعبد الله بن أبي أمية وعمرو بن أبي سلمة بن عبد أسد المخزوميان، وأبو هريرة والهدير بن عبد الله أو قال: عبد الله بن الهدير التيمي، وغير هؤلاء، كل أخبرني عن حديث أهل نجران الذين أرادوا مباهلة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- وحدثني في ذلك حجر بن المدني([216]) عن عتبة بن غزوان المازني -قال -وهب: وحدثني نفر ممن أسلم من أهل نجران عما شاهدوا في([217]) ذلك في قوله فأثبت اقتصاصهم ونسقت كلامهم على نحوا ما جاؤوا به، وهذا حديث عتبة بن غزوان والهدير بن عبد الله، والنفر من أهل نجران فيما شاهدوا وسمعوا بنجران وإلى قدومهم المدينة عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ثم اشترك القوم في المدينة بالحديث جميعاً، قالوا: لما فتح النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مكة وانقادت له العرب وأرسل رسله ودعاته إلى الأمم وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام وإلا أقرا بالجزية والصغار أو أذنا بالحرب العوان أكبر شأنه نصارى نجران وخَلْط([218]) وهم من بني عبد المدان وجميع بني الحارث بن كعب ومن ضوى إليهم ونزل بهم من دهما الناس على اختلافهم هناك في دين النصرانية من الأروسية، والسالوسية، وأصحاب دين الملك، والماروتية، والعبا، والنسطورية، وامتلان قلوبهم على تفاوت منازلهم رهبة منه ورعباً، فإنهم لبذلك من شأنهم إذ وردت عليهم رسل رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم –بكتابه وهم: عتبة بن غزوان، وعبد الله بن أبي أمية، والهدير بن عبد الله أخو تيم، ومرة([219])، وصهيب بن سنان- أخو النمر بن قاسط – يدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا فإخوان وإن أبوا واستكبروا فإلى الخطيئة([220]) المجربة إلى أداء الجزية عن يد فإن غضبوا عما دعاهم إليه من إحدى المنزلين وعندوا فقد آذنتهم على سواء، وكان في كتابه – صلى الله عليه وآله وسلم – [142-ج]{ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[آل عمران:64] قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يباشر قوماً حتى يدعوهم فازداد القوم- لقدوم رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتابه- نفوراً وامتراجاً ففزعوا من ذلك إلى بيعتهم العظمى وأمروا ففرشت أرضها وألبس جدرها بالحرير والديباج، ورفعوا الصليب الأعظم وكان من ذهب مُرصّعْ أنفذه إليهم قيصر الأكبر وحضر ذلك بنو الحارث بن كعب، وكانوا ليوث الحرب، وفرسان الناس قد عرف العرب ذلك لهم في قديم أيامهم في الجاهلية فاجتمع القوم جميعاً للمشورة والنظر في أمرهم([221]) وأسرعت إليهم القبائل من مذحج وعكا وحمير وأنمار ومن دنى منهم نسباً وداراً من قبائل شتى وكلهم قد ورم أنفُه أنفَة وعصباً([222]) لقومهم ونكص من تكلم منهم بالإسلام ارتداداً فخاضوا وافاضوا في ذكر المسير وجميعهم إلى رسول الله والنزول به بيثرب لمناجزته، فلما رأى([223]) أبو حارثة حصين بن علقمة أسقفهم الأول وصاحب مدارسهم وعلاَّمهم وكان رجلاً من بكر بن وائل ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه وقد بلغ يومئذٍ عشرين ومائة سنة، ثم قام فيهم خطيباًمعتمداً على عصا وكانت فيه بقية وله رأي وروية كان موحداً يؤمن بالمسيح وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكتم ذلك من كفرة قومه وأصحابه، فقال: مهلاً يا بني عبد المدان مهلاً استديموا العافية والسلامة فإنهما مطويان في الهوادة، دبوا أي قوم في هذا الأمر دبيب الذر، وإياكم والسورة العجلى؛ فإنها البديهة بها لا ينتجب، إنكم والله على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على رد ما فعلتم إلا أن النجاة مقرونة بالأنائة والأرب إحجام أفضل من إقدام وكأين من قول أبلغ من صول، ثم أمسك، فأقبل عليه كريز بن سبرة الحارثي وكان يومئذٍ زعيم بني الحارث بن كعب وفي بيت شرفهم المعصب فيهم، وأمير حروبهم فقال: لقد انتفخ سحرك واسطير قلبك أبا حارثة فظلت كالمسبوع البراعه الهلوع تضرب لنا الأمثال وتخوفنا النزال لقد علمت وحق المآن بفصيلة الحفاظ إنا لبنوا أبا كعب وهو عظيم وتلقح الحرب وهو([224]) عقيم تثقف أود الملك الجبار والركن([225]) أركان الرائش وذو المنار الذين شددنا ملكهما، وأمرنا ملكهما فأي أيامنا تنكر أولاً وبها وبك تلبس فما أتى على آخر كلامه حتى انتظم نصل نبلة كانب بكفة غيضاً وغضباً وهو لا يشعر فلما أمسك كريز بن صبرة اقبل عليه العاقب واسمه عبد المسيح بن شرحبيل وهو يومئذٍ عميد القوم وأمير رائهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون جميعاً إلا عن قوله، فقال له: أفلح وجهك وأنس ربعك، وغر جارك، وامتنع ذمارك ذكرت وحق مغير الحياة حسباً صميماً، وعنصراً قديماً، ولكن أبا سبرة لكل مقام مقال، ولكل عصر رجال، والمرء بيومه أشبه منه بأمسه وهي الأيام نهلك جيلاً وتديل قيلاً والعافية أفضل جلباب وللهلكات أسباب، فمن أوكد أسبابها التعرض لأبوابها، ثم سكت العاقب مطرقاً فأقبل عليه السيد واسمه أهثم بن المعتمر وهو يومئذٍ أسقف نجران، وكان نضير العاقب في علو المنزلة وهو رجل من عامله وعداده في لحم، فقال له: سعد جدك وسماء جدك أبا وائلة إن لكل لامعة ضياء وعلى كل صواب نوراً، ولن يدركه وحق واهب العقل إلا من كان بصيراً إنك أقصيت([226])، وهذا فيما يتصرف بكم من كلام الكلم إلى سبيلي حزن وسهل ولك عليَّ تفاوتكم حظ من الرأي الرقيق والأمر الوثيق إذا أصيب به مواضعه، ثم إن أخا قريش قد تحداكم بخطب عظيم وأمر جسيم فما عندكم فيه قولوا وأوجزوا بخشوع وإقرار أم بزوغ وإنكار.
قال عتبة والهدير والنفر من أهل نجران فعاد كريز بن صبرة لكلامه وكان كمياً أبياً، فقال: أنحن نفارق ديناً رسخت عليه عروقنا [143-ج]ومضى عليه آباؤنا وعرف ملوك الناس، ثم العرب ذلك لنا انتهالك على ذلك أم نقر بالجزية وهي الخزية حقاً لا([227]) والله حتى تجردوا البواتر من أغمادها وتذهل الحلائل عن أولادها، ونشرق نحن ومحمد بدمائنا، ثم يديل الله بنصره من يشاء
قال له السيد أربعة على نفسك وعلينا أبا سبرة فإن سل السيف يسل السيوف وإن محمداً قد بخعت له العرب واعطته طاعتها وملك رجالها وأعنتها وجرت أحكامهم في أهل الوبر منهم والمدر ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر، فلا أراكم والروح لو نهد إليكم إلا وقد تصدع عنكم من خفت معكم من هذه القبائل فصرتم جفاء كأمس الذاهب أو كلمح([228]) على وضم، وكان فيهم رجلاً يقال له: جهيم([229]) بن سراقة البارقي، وكان من زنادقة نصارى العرب ومن شياطين الناس، وكان من دينه أن الروح التي كانت في عيسى عليه السلام التي كان يصنع بها العجائب غير مخلوقة وأنها روح الله التي هي من ذاته وأن عيسى كان في جسده روحان روح قديمة إلهية وروح محدثة إنسية وكان من دينه أن الله تعالى إذا أراد أن يحدث أمراً في خلقه عظيماً ولج في رجل كريم عليه في خلقه فيتكلم على لسان ذلك الرجل، فأمر بما شاء ونهى عما شاء، وكان يزعم أن ذلك أبلغ في الموعظة وأتم للحكمة والحجة وزعم أن لله([230]) جل وتعالى روحاً يكل عن إدراكه فلا يرى في الدنيا ولا في الآخرة إلا على سبيل ما تقدم، وكان لجهيم([231]) بن سراقة هذا إمكان ومنزلة في ملوك النصرانية من الروم والأساور، وكان يفد عليهم فيكرمونه ويعرفون له وكان مثواه نجران فأقبلوا عليه يعني أهل نجران فقالوا: أبا سعاد قل في أمرنا ونجدنا برأيك فهذا مجلس له ما بعده.
قال: فأنا أرى أن تقاربوا محمداً وتطمعوه في بعض ملتمسه عندكم ولينطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملتكم إلى الملك الأكبر بالروم قيصر وإلى ملوك أهل هذه الجلدة السودر الخمسة: يعني ملوك السودان، ملك النوبة، وملك الحبشة، وملك عكوه، وملك الرعاوة، وملك الواحات([232]) ومريس والقبط وكل هؤلاء كانوا نصارى.
قال: وكذلك من ضوى إلى الشام وحل بها من ملوك غسان ولخم([233]) وجذام وقضاعة وغيرهم من ذوي يمنكم فهم لكم عشرية وموالي وفي الدين إخوان يعني أنهم نصارى، وكذلك نصارى الحيرة من العباد وغيرهم فقد صبت إلى دينهم قبائل تغلب ابنة وائل وغيرهم من ربيعة ونزار لتسر وفودكم، ثم لتحرق عليه البلاد أعداداً فيستصرخونهم ويستنصرونهم لدينهم فيستنجدكم الروم وتسير إليكم الأساورة سير أصحاب الفيل، وتقبل إليكم نصارى العرب من ربيعة واليمن، فإذا فصلت الأمداد إليكم واردة سرتم أنتم في قبائلكم وسائر من ظافركم وبذل نصره ومؤازرته لكم حتى تضاموا من أنجدكم وأصرحكم من الأحباش والقبائل الواردة عليكم فأتوا محمداً حتى تنيخوا به جميعاً فسيعنوا إليكم بذلك من صبا إليه مغلوباً مقهوراً وينعق به من كان في مدرته مكثوراً فيوشك أن تعطلوا([234]) حوزته وتطفئوا حمرته ويكون لكم بذلك الوجه والمكان في الناس فلا يتمالك العرب حينئذٍ حتى تتهافت دخولاً في دينكم، ثم لتعظمن ببعتكم هذه وتشرفن حتى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة هذا الرأي فانتهزوه فلا رأي بعده لكم فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة، ووقع منهم كل موقع وكادوا أن يتفرقوا عن العمل به وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة يدعى حارثة بن أثال كان يذهب إلى دين الأروسية.
قال وهب: وهم صنف من النصارى كانوا على بقية من دين المسيح عليه السلام يوحدون الله عز وجل ويقولون في عيسى عليه السلام إنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأنه رسول الله وعبده، ثم هم مع ذلك فرقتان فرقة: تزعم أنه لا نبي بعد عيسى كقول اليهود في موسى عليه السلام يرون أن حجة الله قد انتهت إلى عيسى، وتمت به ومنهم: من لا يرى ذلك وتأثر عن عيسى عليه السلام أنه قام في الحواريين فأخبره([235]) أن أمته ستكفر وتفترق من بعده ثم يبعث الله نبياً من بني إسماعيل يقال له: أحمد من صدقه وآمن به سعد وهدى، ومن فارقه ضل وشقى وكان حارثة بن أثال من هذه الفرقة الثانية، وكان أوسع من بنجران من النصارى [144-ج] بعد أبي حارثة علماً فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير بن سراقة فقال متمثلاً:
|
متى ما نفد بالباطل الحق يأبه |
وإن تعد([236])
الأطواد بالحق ينقد