وروي عن الجاحظ أنه قال ما وجدت كلمة إلا وجدت لها نظيراً إلا تسع كلمات قالهن فيلسوف العرب: علي بن أبي طالب وهو قوله: أحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى ما شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، والناس أبناء ما يحسنون ما هلك امرء عرف قدره، ما هلك امرء بعد المشورة سل الله قدره([129])، قيمة كل امرء ما يحسنه بقية عمر المرء لا قيمة له يدرك بها ما فات ويحيى بها ما أماته.
وروينا من [ ] كتاب: (جلاء الأبصار) عن الحاكم رحمه الله باسناده إلى أبي الفضل: أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ قال: كان الجاحظ يقول لنا [ 53 ب -ب ] زماناً إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مائة كلمة كل كلمة منها تفي بألف كلمة من محاسن كلام العرب قال: وكنت أسأله دهراً بعيداً أن يجمعها أو يمليها علي، وكان يعدني بها ويتغافل عنها ضناً بها قال: فلما كان آخر عمره أخرج يوماً (جملة)([130]) من مسوادت مصنفاته؛ فجمع تلك الكلمات وأخرجها إلي بخطه، فكانت الكلمات المائة هذه لو كشف الغطا ما ازددت يقيناً، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
الناس في زمانهم أشبه منهم بآبائهم ما هلك امرء عرف قدره، قيمة كل امرء ما يحسنه، ومن عرف نفسه([131]) عرف ربه، المرء مخبوء تحت لسانه من عذب لسانه كثر إخوانه، بالبر يستعبد الحر بشر مال البخيل بحادث أو وارث، لا تنظر إلى من قال ولكن انظر إلى ما قاب الجزع عند البلاء تمام المحبة لا ثناء مع الكبر لا بر مع شح، لا صحة مع النهم، لا شرف مع سوء أدب، لا إجتناب محرم مع حرص، لا راحة حسود مع حسود، لا سؤدد مع انتقام، لا محبة مع مراء، لا ظفر مع البغي، لا زيادة([132]) مع عازة، لا صواب مع ترك المشورة، لا مرؤة لكذوب، لا وفاء لملول، لا كرم أعز من التقى، لا شرف أعلى من الإسلام، لا معقل أحرز من الورع، لا شفيع انجح من التوبة، لا لباس أجود من السلام لا داء أعياء من الجهل، لا مرض أضنى من قلة العقل، لسانك يقتضيك ما عودته. المرء عدوا، ما جهله رحم الله امرء عرف قدره، ولم يتعد طوره إعادة الإعتذار تذكير للذنب، النصح بين الملأ تقريع، إذا تم العقل نقص الكلام، الشفيع جناح الطالب، نفاق المرء ذلة، نعمة الجاهل كروضة على مزبله. الجزع أتعب من الصبر، المسؤل حر حتى يعد أكبر، الأعداء أخفاهم مكيدة، من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه، السامع للغيبة أحد المغتابين، الذل مع الطمع، الراحة مع اليأس، الحرمان مع الحرص، من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه، [73 ب-أ]، واستخفاف به عبد الشهوة أذل من عبد الرق، الحاسد مغتاض، من لا ذنب له كفى بالظفر شفيعاً للمذنب، رب (ساعٍ)([133]) فيما يضره، لا تتكل على المنى فإنها بضائع النوكى، اليأس حر والرجا عبد، ظن العاقل كهانة، من نظر اعتبر، العداوة شغل القلب، القلب إذا أكره عمى، الأدب صورة العقل، لا حياء لحريص، من لانت أسافله صُلبت أعاليه، من أتى في عجابه قل حياؤه وبذل لسانه، السعيد من وعظ بغيره، الحكمة ضالة المؤمن، الشر جامع لمساوئ العيوب، كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شقاق، رب أمل خائب ورب رجاء يؤدي إلى الحرمان، رب أرباح تؤدي إلى الخسران، رب طمع كاذب، البغي سابق إلى الجبن، في كل جرعة شرقه، ومع كل أكلة غصة من كثر فكره في العواقب لم يشجع. إذا حلت المقادير ضلت التدابير، إذا حل المقدور بطل التدبير، إذا حل القدر بطل الحذر، الإحسان يقطع اللسان، الشرف العقل والأدب، لا الأصل والحسب، أكرم الحسب حسن الخلق، أكرم النسب حسن الأدب، أفقر الفقر الحمَق، أوحش الوحشة العجب، أغنى الغنى العقل، الطامع في وثاق الذل، احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود، أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع، من أيدا([134]) صفحته للحق([135]) هلك، إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة، من لان عوده كثف([136]) أغصانه، قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه، من جرى في عنان أمله عثر بأجله، إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر، إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً لقدره عليه، ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر منه في فلتات لسانه وصفحات وجهه. اللهم اغفر رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ وشهوات([137]) الجنان وهفوات اللسان.
البخيل مستعجل بالفقر، يعيش في الدنيا عيش الفقرا، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
لسان العاقل ورأ قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.
قال الجاحظ: معناه أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مراجعة فكره ومفاحصة رأيه فكان لسان العاقل تابع لرأيه، وكان قلب الأحمق وراء[54أ -ب] لسانه، وأهل الكلام ينسبون مذاهبهم إليه؛ فالزيدية ترجع إلى الإمام أبي الحسين زيد بن علي عليه السلام، وهو يرجع إلى أبيه وإلى الباقر وهم يرجعون إلى علي عليه السلام.
والإمامية تنسب مذهبها إلى الصادق، والصادق يأخذ عن الباقر والباقر [ب11 -ج] يأخذ عن زين العابدين، وزين العابدين يأخذ عن الحسين بن علي، وهو يأخذ عن علي عليه السلام، وكذلك المعتزلة يقولون بأن قاضي القضاة أخذ الأصول عن الشيخ أبي عبد الله، وأبو عبد الله أخذ عن أبي هاشم وأبو هاشم أخذ عن أبي علي، وأبو علي أخذ عن أبي يعقوب الشحام، وأبو يعقوب أخذ عن أبي الهذيل، وأبو الهذيل أخذ عن أبو عثمان الطويل، وأبو عثمان أخذ عن: واصل بن عطاء، وأخذ واصل بن عطا عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيه، وأخذ أبو هاشم عن أبيه محمد بن علي الملقب: بابن الحنفية ومحمد أخذ عن أبيه أمير المؤمنين.
هكذا يقول هؤلاء كلهم في انتسابهم إليه عليه السلام، والحق من ذلك كله ما قامت عليه الدلالة([138]) [74أ-أ] الواضحة.
لكن أردنا أن نريك كيف عده الكل قدوة، وهو عليه السلام أهل ذلك وموضعه، وليس واحد من الأمة غيره يعد حجة، وقدوة؛ بل يجوز عليهم الخطأ، والسهو، والعمد إذا([139]) لم تدل الدلالة على باطنهم.
وإذا كان الأمر في أمير المؤمنين عليه السلام كما روينا في هذا الموضع وفي غيره في علمه كان من هو يعلم ما كان، وما يكون بإخبار الغيب التي خصت([140]) بها، وغيرها من العلوم أولى بموضع الإقتداء من غيره كما فضل الله تعالى من يعلم على من ليس يعلم([141]) كذلك كقوله تعالى: { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}[الزمر:9].