قال: إني أطلت فكري في هذه السماوات فقلت: من رفع سقفها محفوظاً بلا علاقة من، فوقها ولا دعامة، من تحتها، ومن أجرى فيها شمساً وقمراً[70 ب-أ] آيتان مضيئتان ومن زينها بالنجوم! وأطلت الفكرة في هذه الأرض؛ فقلت من سطحها على صمم اليم الزاخر، ومن حبسها بالجبال أن تميد، وأطلت فكري في نفسي، فقلت: من أخرجني من بطن أمي! ومن غذاني ورباني! إن لهذا صانعاً ومدبراً سوى دقيانوس، وما هو إلا ملك الملوك وجبار السماوات قال: فانكب الفتية على رجليه يقبلونهما ويقولون: هدانا الله بك من الضلالة إلى الهدى فأشر علينا يا تمليخا.

قال: فوثب تمليخا فباع ثمرة من حائط بثلاثة دراهم، وعقدها في دابة وركبوا على خيولهم، وخرجوا من المدينة؛فلما صاروا ثلاثة أميال.

قال تمليخا: يا إخوتاه قد جاءت سكينة الآخرة، وذهب [111-ج] ملك الدنيا انزلوا عن خيولكم، وامشوا على أقدامكم لعل الله أن يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً؛ فنزلوا عن خيولهم، ومشوا على أقدامهم تسعة فراسخ في ذلك اليوم فجعلت أرجلهم تقطر دماً فاستقبلهم راعي

فقالوا: أيها الرجل هل إلى شربه من ماء أو لبن

فقال الراعي: عندي ما تحبون، ولكني أرى وجوهكم وجوه الملوك، وما أظنكم هربتم إلا من دقيانوس الملك.

قالوا: أيها الراعي لا يحل لنا الكذب أفتجيبنا الصدق، فأخبروه بقصتهم فانكب الراعي على أرجلهم يقبلها وقال: يا قوم لقد وقع في قلبي مثل ما وقع في قلوبكم، ولكن امهلوني حتى أؤدي هذه الغنم إلى أهلها فراح بها إلى أهلها وأقبل يسعى فتبعه كلب له.

قال: فوثب اليهودي.

فقال: يا علي فما كان اسم الكلب؟ وما كان لونه ؟.

فقال علي: لا حول ولا قوة إلا بالله يا أخا اليهود أما لون الكلب: فكان أبلق أسود، وأما اسمه: فقطمير؛ فلما نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم لبعض: إنا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنباحه فألحوا عليه بالحجارة ليطردوه فأقعى عن ذنبه وتمطى ونطق بلسان طلق خلق وهو يقول: لِمَ تطردوني وأنا اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ فذروني حتى أحرسكم من عدوكم؛ فجعلوا يبتدرون إليه وحملوه على أعناقهم؛ فلم يزل الراعي يسير بهم حتى علا بهم على جبل يقال له: الخلوص، وانحط بهم على كهف يقال له: الوصيد فإذا بفناء الكهف عين غزيرة، وأشجار مثمرة، فأكلوا من الثمرة، وشربوا من الماء، وجنَّهم الليل؛ فآووا إلى الكهف؛ فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت يقبض أرواحهم ووكل الله بكل رجل منهم ملكين يقلبانه من ذات اليمين إلى ذات الشمال، ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين، وأوحى الله إلى خزان الشمس؛ فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال، ثم إن دقيانوس سأل عن الفتية فأخبر أنهم خرجوا هاربين فركب في مائتين ألف حصان؛ فلم يزل يقفو آثارهم حتى علا الجبل وانحط على الكهف؛ فلما نظر إليهم رآهم نياماً فقال: لو أردت أن أعاقبهم بأكثر مما عاقبوا به أنفسهم ولكن على بالبنائين؛ فسدوا الكهف بالطين والحجارة، ثم قال لأصحابه: قولوا لهم يقولوا لإلههم الذي في السماء أن يملكهم إن كانوا صادقين وأن يخرجهم من هذا الموضع.

قال علي عليه السلام: يا أخا اليهود فمكثوا ثلاثمائة سنين وتسع سنين ؛فلما أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل عليه السلام أن ينفخ فيهم الروح، فنفخ فيهم الروح فقاموا من رقدتهم، فلما بزغت الشمس قال بعضهم لبعض: لقد غفلنا [71 أ–أ] عن عبادة رب السماوات في هذه الليلة فقاموا: فإذا العين قد غادرت والأشجار قد جفت فقال بعضهم لبعض: إن في أمرنا لعجباً مثل تلك العين الغزيرة قد غارت في ليلة واحدة، والأشجار قد جفت ومسهم الجوع.

199 / 398
ع
En
A+
A-