ولقد أمر الله بطاعة الأوصياء بعد الأنبياء فما هذه القلوب القاسية والحسد الظاهر الظغن الموثق.

قال: وأسلم الجاثليق وجميع أصحابه وشهدوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة وأنه النبي المبعوث الموصوف في التوراة والإنجيل، وأقروا لعلي عليه السلام بالوصية.

قال: فتباشر القوم بحجج علي عليه السلام وبيان ما أوضح وانكشف عنهم الذلة والصغار، وقالوا: أحسن الله جزاك يا أمير المؤمنين في قيامك بحق نبيك والذب عن دينه وأبقاك فينا بخير، ثم افترق القوم الذين استحوذ عليهم الشيطان كأنهم لم يسمعوا شيئاً مما فهمه الجاثليق وأصحابه.

قال سلمان: فلمَّا خرج الناس من المسجد وأراد الجاثليق وأصحابه الرحلة إلى بلادهم عادوا إلى أمير المؤمنين مودعين فاستأذنوا فخرج إليهم فجلسوا معه.

وقال الجاثليق: يا وصي رسول الله وأبا ذريته ما ترى هذه الأمة الهالكة هلاك من مضى من الأمم وإنا وجدنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وقد أرانا الله وعد الصادقين بمعرفة هلاك هؤلاء القوم فبين لنا سبلك وسبلهم وبصرنا ما أعماهم عنك، ونحن أولياؤك وعلى دينك فأْمُرنا ؛ فإن أحببت أقمنا معك ونصرناك على عدوك وإن أمرتنا بالمسير سرنا وإلى ما صرفتنا انصرفنا فقد نرى صبرك على ما ارتكب منك والله وليك وكذلك سيماء الأوصياء بعد أنبيائهم، فهل عندك من نبيك –صلى الله عليه وآله وسلم- عهد فيما أنت وهم فيه.

فقال علي عليه السلام: نعم والله عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((عهد بما هم عاملون وإليه صائرون، وكيف يخفي عليَّ أمر أمته ومنزلتي منه كمنزلة هارون من موسى وشمعون من عيسى وإني لعلى بينة من ربي ونبيي، وعالم بما يصير إليه القوم ولهم مدة وأجل معلوم لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}[الأنبياء:111]، وقد عفا عن هؤلاء القوم في بعض أحكامه وهو بالغ أمره قال جل وعلا: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}[التوبة:66]؛ فقد عفا الله عن هؤلاء([88]) ووعدني رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- أن أظهر على أهل الفئة الباغية، ويرجع الأمر إليَّ وعندي من رسول الله كتاب كتبته بخطي وأملاه عليَّ في المصالحة والمهادنة على أن لا يحدثوا حدثاً فلهم الوفاء ما وفوا، ولهم الذمة والعهد ما أقاموا على الوفاء بعهدهم وعلينا مثل ذلك.

وليس هذا أوان نصره بسل سيف، ولا قيام عليهم ما لم يقبلوا إليَّ ويطيعوني طاعة فريضة من الله ورسوله؛ كحكم الفرائض التي فرضها الله تعالى عليهم ورسوله مثل الصلاة، والزكاة، والصيام والحج، فما تمام هذه الفروض والحدود إلا بعالم([89]) والعالم القائم بها أفضل منها، إن كان هو الذي يهدي إلى الحق وهو أحق أن يتبع، ولقد أنزل الله في ذلك آية محكمة قوله عز وجل: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[يونس:35].

فأنا رحمكم الله فريضة من الله ورسوله؛ بل أفضل الفريضة([90]) وأعلاها وأجمعها للخيرات كلها وأحكمها لدعائم الإيمان وشرائع الإسلام، ولما يحتاج إليه الخلائق لصلاحهم وفسادهم في أمر دينهم ودنياهم.

فقد تولوا عني ودفعوا فضلي وإمامتي فاستغنوا بالجهل عن العلم، وقد رأيتم ما شملهم من الذل والصغار، ودفع الحجة، وكيف تبينت لله الحجة عليهم في قدومكم، وكيف نسوا ما ذكروا به في عهد نبيهم ما ذكر([91]) عليهم من طاعتي، وأخبرهم به من مقامي فكيف آسى على من صد عن الحق بعدما تبين واتخذ إلهه هواه وهما سبيلان: سبيل الجنة، وسبيل النار؛ فمن استحق العذاب عذب به، ومن استحق الكرامة أكرمه الله.

فعليكم بالتمسك بحبل الله وعروته وكونوا في حزب الله ورسوله [105 -ج] فإن الإسلام بداء غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، فكونوا غرباء في ملتكم كأصحاب الكهف، وإياكم أن تفشوا أسراركم إلى ولد ولا إلى والد ولا إلى حميم ولا قريب فإني أخاف عليكم قومكم فإن أصبتم من الملك فرصة ألقيتم إليه بعدما ترون من قبوله، فإنه باب الله لا يدخله إلا من أخذ الله ورسوله ميثاقه في قلبه [48أ-ب] وإيمانه على نفسه.

185 / 398
ع
En
A+
A-