قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}[الحاقة:17] فكيف ذلك وقد قلت أنه يحمل العرش والسماوات والأرض؟
فقال عليه السلام: إن العرش خلقه الله تعالى من أربعة أنوار نور أحمرت منه الحمرة، ونور أخضر اخضرت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرت منه الصفرة، ونور أبيض ابيضت منه البياض، وهو العلم الذي حمَّله الله [64ب–أ] الحملة، وذلك نور من نور عظمته فبعظمته، ونوره أبصرت قلوب المؤمنين، ولعظمته عاد الجاهلون، وبعظمته ابتغي من في السماوات ومن في الأرض من خلقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان الشتى فكل محمول بحياة الله وعظمته ونوره وقدرته لا يستطيع أحد لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً فكل محمول فالله تعالى الممسك له والمحيط به وبما فيه من شيئ وهو حياة كل شيئ سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
قال: فأخبرني عن الله سبحانه فأين هو؟
فقال عليه السلام: هو هاهنا وهاهنا وهاهنا فوقنا وتحتنا ومحيط بنا وهو معنا لا يزول وذلك قوله جل وعلا: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}[المجادلة:7] وهو أقرب من حبل الوريد، والعرش محيط بالسماوات والأرض والله محيط بذلك كله تبارك وتعالى مِن غير مماسة: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام:103] {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}[البقرة:255].
فالذين يحملون العرش هم العلماء حملهم الله علمه وليتم([83]) هذه الأنوار الجارية في ملكوته والملكوت الذي آتاه الله أنبياءه، فقال: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}[الأنعام:75]، فكيف يحمل الله العرش وبحياته حيت قلوبهم وبصفاء([84]) نوره اهتدوا إلى معرفته.
قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: هذا والله الحق في دين الله على لسان المسيح، ثم التفت إلى علي عليه السلام، فقال: أخبرني عن الجنة أهي في الدنيا أم في الآخرة، وعن الآخرة أين هي من الدنيا.
فقال عليه السلام: الدنيا في الآخرة والآخرة في الدنيا إذا كانت النقْلة من الحياة إلى الموت ظاهرة في الدنيا وكانت الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، فالدنيا رسم الآخرة، والآخرة رسم الدنيا، وليست الآخرة الدنيا ولا الدنيا الآخرة، فإذا فارق الروح الجسد رجع كل واحد منهما إلى ما منه خلق، وكذلك الجنة والنار موجودة في الدنيا موجودة في الآخرة؛ لأن العبد إذا مات صار إلى بقعة من الأرض إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وروحه إلى إحدى الدارين إما نعيم مقيم لا يموت فيه أبدا، وإما عذاب دائم لا يموت فيه أبدا، والرسم لمن عقل موجود واضح وقد قال جل وعلا: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين، لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}[التكاثر:3-8]؛ فعين الجاهل جهله وكفره، فقال جل وعلا: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}[الكهف:101].
ولو علم الإنسان علم ما هو فيه لمات خوفاً من الموت والوجل، وما نجا بسبق فضل اليقين [104 - ج]. قال: فاخبرني عن قول الله تعالى: {وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر:67] فإذا طويت السماوات[85] وقبضت الأرض أين تكون الجنة والنار وما فيهما؟
قال: فدعا علي عليه السلام بدواة وقرطاس فكتب فيه آية الجنة وآية النار، ثم أدرجه ودفعه إلى الجاثليق، ثم قال: أليس قد طويت هذا القرطاس [65 أ –أ ] أنا؟
قال: بلى أراه مطوياً.