قال: ثم التفت الجاثليق إلى علي عليه السلام فقال كيف عدل بك القوم عن قصدهم فأزاحوا ما أنت أولى به منهم وما أرى القوم إلا قد وقع القول عليهم بظلمهم أنفسهم وما ضروك بذلك مع ما أغناك الله به من العلم فأخبرني أيها العالم عني وعنك ما أنت عند الله وما أنا عند الله.
فقال علي عليه السلام: أما أنا عند الله فمؤمن وعند نفسي مؤمن مستيقن بفضل الله ورحمته وهدايته ونعمته لا شك عندي في ذلك ولا ارتياب لأن الشك شرك، وأما أنت عند الله فكافر بجحودك الميثاق والإقرار الذي أخذ الله عليك ببلوغك العقل ومعرفة التمييز للجيد والرديء والخير والشر وإقرارك بالرسل وجحودك لما أنزل الله في الإنجيل فإن مت على هذه كنت من أهل النار([80]) لا محالة.
قال: فاخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنة.
فقال علي عليه السلام: أما الجنة والنار فلم ادخلهما فاعرف مكانك من النار ومكاني من الجنة، ولكني أعرفك بذلك من كتاب الله تعالى [ ]إن الله بعث محمدا بالحق وانزل عليه كتابا عزيزا [103-ج]: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:42] فيه جميع علمه وأخبر رسوله من الجنة ودرجاتها ومنازلها، وقسم الجنان بين خلقه فجعل لكل عامل منهم ثوابا وأجراً حسناً وأحلهم فيها على قدر فضائلهم في الأعمال فهم درجات عند الله ووصف المنازل على قدر درجات الفضل في الإيمان والأعمال فصدقنا الله وعرفنا منازل الأبرار، وكذلك منازل الكفار وما أعد الله لهم في النار من العذاب فقال: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ}[الحجر:44]، وكذلك قال تبارك وتعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}[الحجر:75]، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتوسم يعرف كل الخلق وأنا بعده المتوسم وذريتي والأئمة من ذريتي هم المتوسمون إلى يوم القيامة، لأن الله عز وجل عرفنا قصص الأمم وهلاكهم وما يأتون من عمل السيئات والظلم والكفر والعدوان هلكوا، فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: قد أصبنا حظنا وما أردنا إلا أنه قد بقى لنا بقية مسائل فإن أجابنا بها نظرنا في أمرنا وقبلنا الحق.
فقال علي عليه السلام: فإن أجبتك عما تسألني ببيانٍ وبرهانٍ واضحٍ لا تجد له مدفعاً أتدخل في ديننا أنت وأصحابك.
فقال: لك الله عليَّ كفيل إنني أفعل ذلك
فقال علي عليه السلام: فخذ على أصحابك (بالعهد والوفاء)([81]).
قال: فأخذ الجاثليق على أصحابه عهداً بالوفاء، ثم قال علي: سل عما شئت.
قال الجاثليق: أخبرني عن العرش أهو الحامل لله أم (الله هو الحامل العرش)([82])؟
قال علي عليه السلام: الله حامل العرش والسماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده