قال الجاثليق: فما أنت؟

قال عمر: هذا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الجاثليق: فأنت خليفة نبيك استخلفك على أمته؟

قال أبو بكر: لا.

قال الجاثليق: فما هذا الإسم الذي ادعيتموه بعد نبيكم فأنا قد قرأنا سنن الأنبياء وعندنا سننهم فلما بلغنا وفاة نبيكم قدمنا مسترشدين نسأل عن صحة نبوة محمد؛ فإن كان خلف فيكم كتاباً ووصياً كما خلفت الأنبياء عرفنا ذلك[100 – ج ] وأراكم ليس عندكم أثر ذلك.

ثم قال: الجاثليق: يا شيخ أما أنت فقد أقررت أن محمد لم يوصي إليك، ولم يستخلفك وإنما تراضى الناس بك ولو رضى الله جل وعلا برضى الخلق واتباعهم أهوائهم واختيارهم لأنفسهم ما بعث [45 أ - ب] إليهم النبيين مبشرين ومنذرين ومبرهنين لما فيه يختلفون فقد زعم أن نبيكم لم يحتذ بسنن الأنبياء الذي كانوا قبله، ولم يأتكم ببرهان ولا دليل بعده وأنه خان الله فيك، ومضى على غير وصية بعده ولا عهد ولم يمض بعد([78]) نبي قط إلا حتى يقيم وصية ودلالة بعده لأمته علما وهدى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل دفعتم نبيكم عن رسالته وأبطلتم سنته واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله تعالى فأراكم تعظمون الفرية على الله وعلى نبيكم، ولا ترضون إلا أن تسموا بعد ذلك بالخلافة وهذا الإسم لا يصلح ولا يحل إلا لنبي من أنبياء الله تعالى لأن الله تعالى جعل آدم خليفة في الأرض وفرض طاعته على أهل السماوات والأرض، ونوه باسم داود فقال: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ}[ص:26]، فأنت يا شيخ خليفة الله.

قال أبو بكر: لا ولكن تراضى الناس بي فولوني واستخلفوني.

قال الجاثليق: فأنت إذا خليفة قومك لا خليفة ربك ولا خليفة نبيك وقد قلت إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوصي إليك.

وقد وجدنا في سنن الأنبيا صلوات الله عليهم أن الله جل وعلا لم يبعث نبياً إلا وله وصي يوصي إليه ويحتاج الناس كلهم إليه وهو مستغني عنهم، فقد زعمتم أنه لم يوصي كما أوصت الأنبياء وادعيت إسماً لست له بأهل، فما أراكم إلا وقد دفعتم بنبوة محمد وأبطلتم سنن الأنبياء في أممهم.

قال: ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه؛ فقال: إن هؤلاء ليقولون إن محمداً لم يكن له نبوة وإنما كان أمره بالغلبة عليهم فقهرهم وملكهم بغلبته ومضى وتركهم يحذون مثاله فيهم فمن قوى منهم غلب قومه وملكهم؛ ثم قال: لا بد لنا أن نحتج عليكم فيما ادعيتم حتى نعرف سبيل ما تدعون ونعرف الحق بعد نبيكم وفعلكم أبعلمٍ هو أم يجهل أم بكفر، ثم قال: يا شيخ أجب، فالتفت إلى أبي عبيدة ليجيب عنه فلم يجد جواباً، ثم التفت إلى عمر ليجيب عنه فكذلك، فالتفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: بنى القوم على غير أساس ولا حجة لرشاد! أسمعتم؟

179 / 398
ع
En
A+
A-