|
ومناقب شهد العدو بفضلها |
والفضل ما شهدت به الأعداء
وأما حديث الجاثليق فهو هذا قال: سلمان الفارسي رحمه الله تعالى كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله به قريشاً بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم ليعرفها أنفسها، ويخرج شهادتها عليها فيما أدعت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفعهم إمامة وليه وميراثه كتاب الله فيهم ما عظم خطبه عليهم وشملتهم فضيحته، وواضح الله هدايته من أهل دعوته وورثه نبيه وأنار به قلوب أوليائه فيهم وعرفهم بحقهم وأضاء لهم برهانه.
قال: كان من ملك الروم لما بلغه وفاة رسول صلى الله عليه وآله وسلم وخبر أمته من بعده واختلافهم في الإختيار لأنفسهم، وتركهم سنن هدايتهم، وادعائهم على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -أنه مات ولم يوصي إلى أحد بعينه وأنه أهملهم يختارون لأنفسهم وتوليهم الأمر.
قال: فتقدم الجاثليق إلى ملك الروم فباحثه في هذا الأمر فأمره الملك أن يختار معه من أهل مملكته من أحب.
قال: فاختار الجاثليق منهم مائة رجل من علمائهم وتوجه إلى مدينة الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- للمناظرة والإحتجاج عليهم، فلما قدم هو ومن معه نحو المدينة، وقد أقروا له أصحابه بالفضل والعلم مجترياً([77]) في علمه يخرج الكلام على معانية ويورده على تأويله، ويصدره بعد إيراده، ويرد كل فرع إلى أصله ليس بالحرق، ولا بالنزق، ولا الرعديد، ولا الوكل، ولا الفشل يصمت، لمن تكلم، ويجيب إذا سُئل يحكم من حجته ينصف إذا سمع، ويصبر إذا اسمع، فلما قدموا بحثوا وسألوا من قام مقام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم -فأرشدوهم إلى المسجد فدخولوا فدلو على أبي بكر، وهو جالس في حشد من قريش منهم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح [62 أ -أ] وعبد الله بن الوليد، وعثمان بن عفان، فسلموا، ثم قال الجاثليق: أرشدونا إلى القائم بعد نبيكم فإنا قوم قدمنا لنسترشد عن دين محمد، فإن كان على حقيقة النبوة تبعنا دينه فإنا قوم على دين المسيح فقدمنا لما سمعنا بوفاة نبيكم ولنسترشد لديننا ونستعرض دينكم. فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه سلماً وقبلنا منكم الرشد وأجبناكم على دعوة نبيكم وإن يكن على خلاف ما جاءت به الرسل رجعنا إلى دين المسيح، فإن عندنا عهد من ربنا وأنبيائه ورسله ودلالة، وهداية، ونوراً واضحاً فأيكم صاحب الأمر من بعد نبيكم.
فقال عمر بن الخطاب: هذا صاحبنا وولي الأمر بعد نبينا وأشار بيده إلى أبي بكر.
فقال الجاثليق: أيها الشيخ أنت الوصي القائم لمحمد في أمته؟ وأنت العالم المكتفى بعلمك مما علمك به نبيك عن الرعية وهي المحتاجة إليك؟
فقال: أبو بكر: لا ما أنا بوصي.