وإذا كانوا عدولاً بحكم الله تعالى كان إجماعهم حجة لأنا لا نعني بقولنا: أن إجماعهم حجة إلا أنه يجب الإنقياد لهم فيما حكموا به قولاً وفعلاً أو رضى، ولا شك أنه يجب الإنقياد للعدل المرضي في ذلك، فإذا كانوا عدولاً باطناً وظاهراً بشهادة الله تعالى لهم بذلك وجب الإنقياد لهم وإلا عاد ذلك على عدالتهم بالنقض والإبطال، وذلك لا يجوز وفي ذلك كون إجماعهم حجة.

والآية الثانية: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب:33]، ووجه الإستدلال بهذه الآية أن الله تعالى أخبر أنه قد أراد إذهاب الرجس من أهل البيت عليهم السلام، وما أراده الله من فعله فلا بد من كونه وفعله لأن إرادة العزم عليه تعالى محال فمن قال: أن الإرادة هي فعله، فلا شك أنه ما أراد إلا ما فعل، ومن قال: إرادته إرادة قصد فلا بد أن يكون قد فعل ما قصد، وإلا كانت إرادته عزماً، لا قصداً، وذلك لا يجوز عليه تعالى.

فإذا كان قد أذهب الرجس عن أهل البيت عليهم السلام، فالرجس الذي أذهب إنما هو المعاصي لا غير ذلك من الأنجاس فإنما ينجس من غيرهم فإنه ينجس منهم بلا شك فإذاً أراد بتطهيرهم التطهير من المعاصي، وبإذهاب الرجس عنهم إذهاب المعاصي فقط ولا يجوز إذهابها منهم إلا بالألطاف، والتوفيق مع بقاء الإختيار لوجهين:

 أحدهما: أن الآية ورادة مورد المدح والتعظيم والتشريف ومن كان مضطراً مجبوراً، فإنه لا يستحق ذلك على الفعل

- والثاني: أنه لو أذهب الله المعاصي عنهم بالإكراه لما استحقوا على الطاعات مدحاً ولا ثواباً ولزال عنهم اسم التكليف، وذلك خلاف الإجماع؛ فبقى أنما أذهب عنهم الرجس وطهرهم إلا بالتوفيق والعصمة، وذلك لا يجوز في آحادهم لأنا نعلم بالضرورة وقوع المعاصي من آحادهم فبقي ذلك أن ما أذهبه الله وطهرهم فيما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، فإنه غير مقطوع عليه بل هو موقوف على الدليل فبان أن إجماعهم حق لا باطل فيه.

وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة هم أولاده وأولاد أولاده لأن القائل إذا قال: أهل بيت فلان أهل طهارة وعلم فإنه لا يسبق إلى الإفهام منه إلا أولاده وأولاد أولاده والسبق إلى الإفهام وهو الذي تنفصل به الحقيقة من المجاز.

فيجب أن يكون المراد بالذين إجماعهم حجة أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس أولاد ه إلا فاطمة وأولادها وأولادها الحسن والحسين وأولادهما في كل زمان لأنه لا نسل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من سوى ذلك.

وقد خالفت في ذلك النواصب، وعلى الحقيقة أن لا اعتبار بخلافهم لأنهم خارجون عن الإسلام بذلك، والذي يدل على صحة هذا القول اللغة والكتاب، والإجماع؛ أما اللغة: فهو أنه لا شبهة أن القائل إذا أشار إلى اثنين فقال هذان ولداي أو أبنائي أو أحدهما ابن ابني والثاني ابن بنتي فإن أهل اللغة لا يعدون هذا الكلام في أحدهما مجاز بل ما عقلوه من تناول اسم الولد لأحدهما فإنهم يعقلون تناوله الآخر على حد واحد.

يبين ذلك أن الولد كما يصح أن ينسب إلى الأب فيقال ابن فلان يصح أن ينسب إلى الأم وإلى الجد فيقال: هو ابن فلانة بنت فلان، ولهذا قيل، ولهذا قيل: محمد بن الحنفية، وقيل: ابن أم مكتوم.

وقد روي أن الأولاد في الآخرة ينسبون إلى الأم، وأما الكتاب فقوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ}[الأنعام:84،85].

109 / 398
ع
En
A+
A-