ولا تكليف على اتباع الإمام في أن يعلموا قبل أن يبايعوه على أمر أراده ودعاهم إليه أنه مصيب فيه، ولا أن يقدم النظر في ذلك والاستدلال  عليه، ولا يسمع بذلك في عصر من الأعصار، ولا نبه عليه أحد من الأئمة الأطهار.

فلم يقل علي عليه السلام  لأتباعه وجنوده الألوف المؤلفة وعساكره المتكاثفة: قدموا النظر في صواب ما أنا عليه وخطأ البغاة، ولا تقاتلوهم حتى تعلموا ذلك، وتطلعوا على أدلة وجوبه أو جوازه، ولا عرضهم واحداً واحداً وتبين حالهم في معرفة ذلك وعدمها، ولو وجب ذلك لكان العوام المقدمون على القتال مع الأئمة آثمين مخطئين مرتكبين لقبيح، ويلزم الأئمة نهيهم وزجرهم عن ذلك، لأنه نهي عن المنكر، وهذا ما لم يقل به واحد، ولا التفت إليه واعتمد.

وهذا ونحوه يدخل تحت قوله تعالى: {أطِيْعُوا اللهَ وأطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ}، وتحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله تعالى على منخريه في نار جهنم))، والواعية الإمام الداعي، وما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لخليفتي على الناس السمع والطاعة ما استرحموا فرحموا، وحكموا فعدلوا، وعاهدوا فوفوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين)).

وعن زيد بن علي عليه السلام : على الإمام أن يحكم بما أنزل الله عز وجل، ويعدل في الرعية، فإذا فعل ذلك حق عليهم أن يسمعوا ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا.

قال: وكيف مدافعة الإمام لمن لم تصح إمامته؟ وهل يأخذ الزكاة منها قهراً ويقاتله عليها؟ وهل لرب المال المدافعة عن نفسه ولو بالقتل لأنه غير سالك سبيل المؤمنين إذا كان يدين بعدم إمامة ذلك الإمام وعدم كماله؟ إن قلنا: له المدافعة، فكيف يكون الفئتان جميعاً محققين؟ وما نظر ذلك؟ وإن قلنا: ليس للإمام قتاله، وليس له الامتناع عن التسليم إن لم يعرف إمامته، فما وجهه؟

أقول: معاملة الإمام لمن لم تصح إمامته، إذا عرف به أن تأخره عنه يجرح في دينه، ويثبت في أمره، أن يراجعه ويوضح له السبيل وينصب له الدليل، ويحسن التوجيه والتعليل، فإن رجع إلى الصواب فهو المقصود، وإن أبى فأمره غير محمود، وحينئذ ينزله الإمام في تكاليف الإمامة منزلة غير من يثبت، وغيره فيلزمه القيام بها من تسليم الحقوق والجهاد، وبشكه في الإمامة وهو ثابت الإمامة لا يقتضي سقوط الواجب عنه ولا مسامحة فيه، فيكرهه على تسليم الزكاة وغيرها مما أمره إليه، ويقاتله على ذلك إن أبى وعصى، ولا يخلصه من ذلك سوء عقيدته في الإمام، ولا انتفاء صحة الإمامة عنه.

قوله: وهل لرب المال المدافعة عن نفسه حيث لم تصح له الإمامة؟

جوابه: أنَّهُ ليس له ذلك مع فرض ثبوت الإمامة، وإذا ركب ذلك على أصله لم تصح، لأنه ركب على أصل فاسد، إذ المفروض صحتها، وما ركب على الفاسد فهو فاسد، فالمدافعة منه خطأ وعدوان، ولا يصح أن يجتمع حقية مدافعة الإمام، وحقيقة مدافعته عن ذلك، لأن مع ما ذكر من فرض صحة الإمامة [أن يكون] الإمام محق في مطالبته، وهو مخطيء في مدافعته، وإذا فرض عدم صحتها فالإمام مخطيء في مطالبته وهو محق في مدافعته، ولا نعلم قائلاً يقول: ليس للإمام أن يطالب من ينفي إمامته، أو يتوقف فيها بالحقوق التي عليه، فلو فرض منحرفاً لا متحريا، والمسألة منصوصة، ولو قيل بذلك لكان فيه وهن على الإمام وتضعيف أمره، والجهاد لم يشرع إلا لمن عصى الإمام ولم يطعه فيما أمر به، ولو قصرنا الإمام عن إكراه النافي لإمامته على ما يجب عليه الأداء إلى سلطان أمره، فلن يمتنع عليه إلا من لا تثبت إمامته باطناً وظاهراً، فعرفت أن القول بذلك يؤدي إلى ارتفاع مالا بد للإمام منه من مجاهدة العاصين له، المهملين لحقه، الزاوين لحقوق الله تعالى عنه، وهذا مالا قائل به، وحال المنكر لإمامة الإمام في عدم صحة الإعتذار بذلك فيما عليه من حقوقه حكم منكر الصانع فيما هو مفروض من صلاة وصيام، فكما أنَّهُ لا يعتذر فيها وإن كان اعتقاده منافيها، فكذلك هاهنا.

قال: وما حكم المتوقف إذا تمادى به الزمان وطال توقفه، وعرف الإمام صدقه ورصانة دينه، إن قلنا: يعذره فكيف إذا كانت صفة الكل أو الأكثر؟ فإنه يؤدي إلى بطلان أمر الإمام، وإن لا يعذره فكيف وهو لم يألُ جهداً في الإستبراء لدينه، وتحصيل يقينه؟

أقول: قد تقدم ذكر التوقف وحكمه، وأتينا فيه بمالا مزيد عليه، والتحقيق أنه لا وجه لإطالة التوقف ولا مقتضى له، فإن مسألة الإمامة وشروطها واضحة جلية غير غامضة، ولا حقية فيما في إطالة الخبرة تعسير الأمر وهو هون على الإمام، ولا معنى للتوقف إلا في حق رجلين، رجل منتزح عن الإمام فاضطربت عنده الروايات في كماله وعدمه، وإجابة الناس له وعدمها، وكمال الشرائط فيه وانتقاصها، فشأنه التوقف حتى يهيء الله تعالى به البلوغ إلى عند الإمام، وفهم الصحيح مما بلغه وخلافه، أو حتى يتواتر له الصحيح من ذلك ويضمحل الفاسد.

ورجل بلغ إلى الإمام ليختبره، ولم يمض من المدة ما يحصل فيه الاختبارالحقيقي والاطلاع على إحراز النصاب المعتبر من كل شرط، وأما مع عدا ذلك مما هو إلا من قبيل السخافة والجهالة، أو من قبيل اتباع الهوى والغرض، وعروض السقم للبصيرة والمرضى، فكم من متوقف يطول توقفه، ويستمر تعسفه، ولا حائل له على ذلك إلا ما يعرض له في كل واحد من طرفي الإثبات والنفي من الشوائب الدنيوية، والأحوال التي لا تكون عنده مرضية، وما هذا دين الله تعالى، ولا بين الحق والباطل من واسطة، ولا بأس بأن يباحث الإمام المتوقف ويسأله عن سبب توقفه إن كان شك في شيء من الشروط قرر عليه حصوله وثبوته.

98 / 331
ع
En
A+
A-