ومن هذا أو نحوه يقضي العجب ويعرف منافاته كثير من الناس لقانون الأدب.
أمَّا أولاً: فما نعلم أنا صرحنا بهذه العقيدة، ولا أتينا فيها بعبارة لها مفيدة، ولا زدنا على أن ناقشنا في قطعية الأدلة، ولو زدنا عليها أسئلة مشكلة قد سبقنا الأصحاب إلى إيرادها، ونشر إيرادها، وإن كنا زدنا في تدقيق النظر فيها، ونفرنا عن غوامض معانيها، ومن مثل هذا لا تؤخذ المذاهب.
وأمَّا ثانياً: فعلى فرض الذهاب إلى هذا المذهب، أي أمر اقتضى التشنيع فيه وأوجب؟ بأن الخلاف بين العقلاء قد يعرض في العلوم الضرورية الموجودة من النفس التي تدفع العالم إليها، كخلافهم في مخبر الأخبار المتواترة، فمن ذاهب إلى أنه معلوم ضرورة، وأن العلم به يعد من علوم العقل، فمن لم يحصل له فعقله مختل، ومن ذاهب إلى أنه معلوم بطريق النظر والاستدلال معرض لما يرد عليه من التنظير والإشكال.
ومن ذاهب إلى أنَّهُ ليس بمعلوم بحال، وأنه إنما يظن ظناً، فتجويز خلافه ممكن لا محال، والخلاف في كثير من المسائل الأصولية الفروعية -قطعية أم ظنية- فإنه واسع، فلم نسمع عن أحد من أئمتنا وعلماء مذهبنا رحمهم الله تعالى أنه شنع القول بكون مسألة الإمامة اجتهادية على كثر حكايتهم لذلك في مصنفاتهم، ومع كثرة المخالفين في ذلك من الأئمة وعلمائها، ولا يصدر التشنيع في ذلك إلا من جاهل أو متجاهل أو ذي عداوة متحامل.
وأمَّا ثالثاً: فأي منافاة بين القول بكونها اجتهادية، وبين إقدام الإمام على التصرفات المرضية، ليس ذلك مما ينافيه في حكم من الإحكام أحكامها ، ولا يخالف نهج عَلِمٍ من أعلامها، ولا يتغير به شيء من أحوالها، ولا يتوقف على خلافه عمل من أعمالها، فإن الأعمال في المسائل الاجتهادية كما هي في المسائل القطعية، إذ ما أدى المجتهد إليه اجتهاده صار العمل به معلوماً وجوبه مقطوعاً به، وكثير من المسائل الاجتهادية يتوقف عليها قتل النفوس، وقطع شيء من الأعضاء، وأخذ الأموال، ونحو ذلك.
فليكشف أهل التشنيع عن موجبه، وما الذي ينهدم بكونها اجتهادية من الأعمال من الإمام ويختل به؟!!
قال: وما حكم العوام الذين لا يهتدون إلى معرفة الشرائط؟ وهل هم ناجون بالتقليد مع الخطر الذي ما عليه مزيد في الإقدام على الأزواج والأموال مع الإمام من غير تحقيق منهم للحال؟ وما حكمهم في قتالهم معهم من يذهب إلى [منع] الزكاة من أهل القبلة المعدودين من فرق الملة؟
أقول: قد تقدم في أثناء هذا الإملاء ما هو فرض العوام في أمر الإمامة، وأنهم لا يكلفون في شأنه بما يكلف أهل المعرفة، وأن فرضهم الرجوع في ذلك إلى العلماء، والأخذ عنهم، والاتباع لهم، وأتينا في ذلك بما يشفي ويكفي، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وإقدام العوام مع الإمام على الأزواج والأموال هو فرضهم، والواجب عليهم واللازم لهم، ومالا يجوز لهم النكوص عنه، فإن طاعة الإمام ومتابعته والجهاد معه حيث توجه هو الواجب على كل مؤتم، وكيف يقال بأن العامي يجب عليه اتباع الإمام وطاعته، ولا يجوز له أن يقاتل معه ولا يجاهد على رأيه، فيكون حينئذ إماماً غير إمام ومطاعاً غير مطاع، ووجوب متابعة الإمام وطاعته فيما رام أمر متفق عليه غير متنازع فيه بوجوب طاعة الإمام فأقل أحواله الفسق.
قال المهدي عليه السلام : وهو قريبٌ عندي إذ هو رد ما علم ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن رد ما علم ضرورة من دين الإمام فقد اتبع غير سبيل المؤمنين قطعاً فتناوله الوعيد ، انتهى.
ومن ذلك قتالهم معه من يذهب إلى كفر، فإن ذلك واجب عليهم من جملة طاعته، ولا يكلفون تقدم علمهم بكفره، ولا وقوفهم على أدلة جواز قتاله، بل الواجب متابعة الإمام في ذلك وغيره، فإنما جعل إماماً ليؤتم به، والدرك في ذلك عليه، حتى أنه لو فرض خطأه في ذلك كان خطأه هو المخطيء وحده، وهم مصيبون في متابعته لأنها فرضهم.