ومما يقضي منه العجب أن هذا المعنى المشار إليه قد يرتكز في ذهن كثير من أرباب الزكاة، الذين لهم مسكة من التمييز، فترى منهم من يسوم الإمام إلى صرف ما أعطاه من واجبه إلا إلى الفقراء، ومنهم لا يثق به في ذلك فيشترط في واجبه أن يوجه للفقراء من عنده، ويكون هو المسلم إليه ذلك من يده، وغفلوا عن كون الإمام أتقى الناس، في الناس وأعرفهم بطرق الخلاص، وأنه لو لم يكن الفضيلة إلا في الصرف إلى الفقراء لكان ذلك ممكنا بغير واسطة الإمام، فكان مقتضاه أن لا يشرع التسليم إليه، ولا يجعل مدار الخلاص عليه، ولو كان المقصود هو الصرف إلى الفقراء -وهو الغرض المهم- لما كان تسليم الحقوق الواجبة إلا إلى الإمام هو الأفضل والأكثر ثواباً والأوفر التسليم إلى الفقير ممكن بغير ذلك مما يقتضي الأفضلية.
ولو تأمل من أشير إليه لفرق وتيقن أن صرف الزكاة في جهاد ظالم أو كافر، أو إزالة منكر، أو تأليف رجل يقع بتأليفه قوة لشوكة الحق، وتوصل إلى نعش الإسلام، من أعظم القرب وأجلها، وأنه لا يحل نفع الفقير أو فقيرين في محلها، وأن حصول ذلك يثبت تلك الزكاة وما سلم منها وأعطاه مما ينبغي أن تقر به عينه وتطيب به نفسه، وأنه بذلك يكون مشاركاً في الجهاد، ونائلاً به نصيباً يستجاد.
وهذا حين الوداع من إملاء ما أردنا ذكره في هذا المختصر من مسائل الإمامة الخاصة منها والعامة، حسب ما أشار إليه السائل وعول عليه، وتركنا منها ما لم تشر أسئلته إلى ذكره، ومالا خفاء منها في أمره.
ولنختم الكلام بذكر أطراف من ذلك السؤال، وألفاظ مما أورد من المباحثة الحسنة والمذاكرة المستحسنة، وأجاد فيها المقال.
قال: هل مسألة الإمامة قطعية أو ظنية؟ ثم ما القطعي من شروطها وتفاريعها ومستتبعاتها؟
أقول: قد ذكرنا في هذا الإملاء المبارك أدلة مسألة الإمامة أصولها وفروعها، واستقصينا ما يعول عليه من مآخذها، ولم نجد ما هو فوق ذلك في شيء من مظانه بعد البحث المستوفى عن ذلك، وأشرنا إلى ما سبق منا في المراسلة الدائرة بيننا وبين حي الفقيه الأفضل جمال الدين علي بن محمد البكري، قدس الله روحه ونور ضريحه، فليتأمل السائل ما ذكرناه من الأدلة، وما رد عليها، فهو بحمد الله تعالى لا يعزب عنه ما هو قطعي منها، ينتهي إلى العلم اليقين، وما ليس كذلك فالاتفاق على الأدلة تغني عن ذكر حكمها في إفادة القطع وعدمه، إذ قد صارت غير مجهولة بل معروفة وموضحة للواقف عليها مكشوفة، وغير بعيد أن يختلف حال الناظرين في الأدلة، فمنهم من توصله إلى العلم، ومنهم من لا تبلغ به إليه، بل إلى درجة الظن، كما أن أنظارهم تختلف.
فمنهم من ينظر في ذلك فتوصله للمطلوب، ومنهم من ينظر فيه فلا توصله إلا إلى عكسه، كاختلاف أنظار العقلاء في العالم، فمنهم من أوصله نظره فيه إلى إثبات الصانع الجليل، ومنهم من أفضى نظره إلى النفي والتعطيل، فمن ادعى من علمائنا رحمهم الله تعالى أن نظره في مسائل الإمامة وشروطها ولواحقها أفضى به إلى برد اليقين وطمأنينة النفس صدقناه، وعلى أحسن المحامل حملناه()، ومن لم يدع ذلك ولا يعترف به، فهو أخص بأحوال نفسه، وحكمه في تكاليف الإمامة حكم الأول فيما يعتمد من أمورها وعليه يعول.
وقد شاع في كثير من النواحي والبقاع أنا نقول: بأنَّها اجتهادية، ويكاد يشنع علينا بذلك من في قلبه مرض، أو له في التشنيع غرض، وتشنيعهم من وجهين:
أحدهما: اعتقاده أن هذا خلف من العدل فيما نحن عليه من الدعاء إلى الله تعالى، وخطل الرأي وزلل في الاعتقاد.
الثاني: اعتقادهم أن هذا ينافي ما نحن فيه وعليه من الدعاء إلى الله تعالى وإلزام الناس الطاعة، وما نحن عليه من الإيراد والإصدار، والقيام بهذه التكاليف الكبار.