وهل يجب عليه ذلك لفقراء قطر لا يصير إليه من واجباته؟ لقالوا: لا.

 وهل يجب عليه للمعرضين عنه، الرافضين لما يجب له، التاركين للجهاد معه، المشتغلين بخاصة أمرهم دونه؟ لقالوا: لا.

 ولكنه قد قل الناقل لهذه المعاني، وعدم البناء على قوى المباني، فأما أهل الجهل والبله وعدم التمييز -وهم الجم الغفير- فلا يستغرب ذلك منهم، فإن الجهل داء، والجاهلون لأهل العلم أعداء.

وأما أهل التمييز والمعرفة فهم لا يجهلون ما ذكرناه، ولا ينكرون ما عرفناه، ولكن غفلوا عن ذلك، وصمم آذانهم، والله() ولي التوفيق.

وقد جرت مراجعة ومناظرة في هذه المعاني في سنة ثلاث وثمانين  وثمانمائة سنة بيننا وبين بعض علمائنا، ونحن حينئذ بطويلة بني تاج الدين، ووجدناه لا يخطر بباله شيء مما قدرناه مع جودة علمه ووفور فهمه، لكن لم نزل نقرر ذلك لدينا، حتى عرفه واعترف به ورجع إليه، وحضر حينئذ تلك المراجعة عين علماء الزمن، ودرة تاج الأخيار بديار اليمن، فوجدناه محيطاً بما ذكرناه فتولى بعض المناظرة، وكانت له على ما قصدنا تقريره ظاهرة.

تنبيه:

قد [مر] ما أوضحناه، ورجحناه، وكشفنا الغطاء عنه، في شأن ما يتوجه على الإمام لفقراء الأنام، والهاشميون في ذلك أقل حقاً من غيرهم، وليس يسوغ لفقرائهم ما يسوغ للفقراء من غيرهم، فأكثر حقوق الله تعالى لا علقة لهم بها، ولا مدخل لهم فيها، والحقوق التي تسوغ لهم قليلة، ونظر الناس إلى المخلص منهم أقل، ومع ذلك فلجاج كثير من الهاشميين في هذا المعنى على الإمام أشد، وإلحافهم فيه أكثر وأجد، ومن البدع الشنيعة ما صار عليه كثير منهم من التكالب على الزكاة، والتناول منها() على الوجه الذي لا يرضى به الله، وتجاريهم على الإستقطاع منها وأكلها، والانتفاع بها من غير حلها، وتنزيل أنفسهم منزلة فقراء سائر الناس، والتوصل إلى أخذها بكل وجه ممكن، سراً وجهراً وطوعاً وكرهاً وقسراً، ومن طريق الأئمة ومن غيرها، مع أن قُراّءهم والمميزين منهم يقرءون في كتب الهداية أنها أشد حرمة من الميتة، وانهم يدرسون ذلك ويدارسون فيه، ويسومون الإمام أن يعطيهم منها، ويوفر حظهم فيها، ولا يكاد يخطر ببالهم أن تحريم ذلك عليهم من مسائل الإجماع، وأنه مما لا يتهيأ فيه وجه مُساغ، ولا أن ذلك يصادم شرع جدهم الذين نالوا اسم الشرف ومعناه لأجله، وحازوا رتبة من الرئاسة والجلالة لشرفه وفضله.

فائـدة:

ومما يغلط فيه على الإمام استنكار كثير من المميزين لما يصرفه الإمام إلى المؤلفين، واستنكاره واستهجانه لأجله، واعتقاد التفريط فيه، وقد يقول قائلهم: كانت عطية فلان الظالم أو الفاجر -يعني جماعة من الفقراء الفضلاء الأخيار، الذي لا يساوي شسع نعل أحدهم- وهذا من الجهل بعظم موضع المصلحة الحاصلة من التأليف في الدين، وكونها أعظم موقعاً من المصلحة الحاصلة لمواساة الفقراء والمساكين، فإن مواساتهم والمصلحة فيهم مقصورة عليهم لا تتعداهم، وأما المؤلف ففي إعطائه مصالح يتم نفعها ويعظم موقعها، فقد تكون المصلحة فيه قوة شوكة الحق، أو حفظ بيضة الإسلام، أو سد ثغر، أو دفع شر كان على المسلمين وجانب الدين، أو توصل إلى إقامة معروف ونهي منكر، وغير ذلك من أنواع المصالح الدينية والمقاصد المرضية، وإنما يتوجه ما ذكروه لو أنه أعطاه لما يرجع إليه، ولكونه على الذي هو عليه، ولو رام الإمام أن يجري أمره على قاعدة وأن تتم منه قيام الفائدة ويده مقبوضة عن المؤلفين ومواساته مقصورة على الفقراء والمساكين لرام شططاً، ولتقاصرت عنه فسيحات الخُطا، فإن أمر الإمام لا يستقيم إلا بالتأليف على أنواعه، ولا يتم ولا ينتظم أبداً إلا مع كثرته واتساعه.

 هذا والإمام خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وليس له إلا الاقتفاء لآثاره، والاهتداء بنوره، وقد ظهر واشتهر ما اتفق وصدر من سيد البشر من إعطاء المؤلفين العطايا الواسعة، وإيثارهم على أهل المناصرة والمشايعة، كما فعل يوم حنين، فإنه أعطى جماعة من المؤلفين كل واحد منهم مائة من الإبل، وخصهم بذلك دون الأخيار من المهاجرين والأنصار، ولم يؤثر أنه أعطى فقيراً ذلك اليوم للافتقار من ذلك عشر المعشار، ولعل المعطين أولئك لا يساوون كلهم ولا يزنون عند الله تعالى آثار أخمص واحد من السابقين الأولين وسادة الأنصار والمهاجرين، وكفى بذلك دليلاً واضحاً وضوح النهار، ولكن من جهل الأمور خاض فيها بغير اعتبار، ومن اعتلق به هوى النفس جانب مقتضى البصر والاستبصار.

95 / 331
ع
En
A+
A-