الوجه الرابع: إن عدَّ مواساة الفقراء والمساكين من الحقوق اللازمة للإمام، هو بناء على قيام الناس بحقه في تأدية جميع الحقوق إليه، واستيفائه لها، ومصيرها بيده، فحينئذ يجب عليه صرفها بمصارفها، ومن مصارفها الفقراء والمساكين، ويتعلق به في ذلك ويتوجه الطلب إليه، وأما حث الإمام ما عليه بصفة ما عليه أكثر الأئمة عليهم السلام من عدم قوة اليد، وشدة القهر، وعجزهم عن استيفاء الحقوق كلها، وامتناع أربابها عن تسليمها كلها.
وكون الأكثر منهم متمردين فلا يصير إلى الإمام شيء منهم، وكون البعض لا يسلمن إلا البعض منها، فمن أين يجب مثل ذلك على الإمام؟
واعلم: أنَّ توجه مواساة فقراء كل جهة ليس إلا مع قبض واجباتها كلها، والحقوق التي فيها بأجمعها، وإذا لم يقبض الإمام من قطر شيئاً، ولا أذعن له أهله، ولا تمكن من قهرهم على تسليم ما عليهم من ذلك؛ فلا حق لفقرائه عليه، ولا شيء لهم يتوجه إليه، ومن المعلوم قطعاً أنه لا يجب على القائم في اليمن مثلاً أن يتعهد فقراء مصر والعراق والشام، ولا يعد ذلك من تكليفه، وكذلك ما كان بذلك الحكم وعدم مصير واحد إليه، وإذا كان من الجهات مالا يصير إلى الإمام من واجباته والحقوق التي على أهله إلا البعض كالنصف أو الثلث أو الربع على ما هو الغالب من حال الجهات الإمامية بالديار اليمنية، فإن عادة أهلها غالباً يسلم البعض من واجباتهم إلى الإمام وترك البعض بأيديهم، ويقولون فيما يزرونه على الإمام: هو نصيب الفقراء، ويسمونها الإمام نصيب الجهاد، فلا حق لفقراء هذه الجهات المشار إليها عند الإمام، ولا لهم علة يعتلون بها عليه إذا لم يقبض لهم شيئاً، وحصتهم من الواجبات عند أربابها وبأيديهم، والطلب فيها يتوجه إليهم، وسواء كان ترك حصة الفقراء بإذن الإمام ورضي منه أو لا يرضاه وبغير إذن منه.
أما حيث لم يحصل له منهم تسليم الواجب كله، ولا تمكن من قهرهم فظاهر، وأما حيث كان ذلك بإذن منه ورضا ولو شاء لقبض الكل فلأن قبض نصيب الفقراء من أرباب الواجبات ليس بواجب عليه، لا أنه حق عليه والواجب لازم له، فإنه لو لم يطالب الناس بتسليم الحقوق، ولا يلزمهم ذلك، لم يعد مخلاً بواجب، ولهذا حكم الفقهاء بأن التخلية إلى المصُدِّق كافية لا إلى الإمام ما ذاك إلا لأن الإمام يجب عليه القبض، وأمَّا الْمُصدِّقُ فيجب عليه، وذلك لإلزام الإمام إياه، واستعماله عليه يكون بصفة الأمين.
يقال: ومن أين أنّ حصة الفقراء والمساكين يتعين فيما بقي بيد رب الزكاة والحقوق، فإن حصتهم في الزكاة مشاعة، فإذا قبض الإمام بعضاً من الزكوات ونحوها، كان لهم حصتهم منه حيث قبض الزكاة كلها وإلى أربابها حيث تولوا صرفها وتفريقها، فإذا قال رب الزكاة للإمام: هذا إليك، وهو حصة الجهاد ونحوه من المصارف، وهذا إلى حصة الفقراء والمساكين حيث كان رُبعاً او حصتهما، وحصة الغارم وابن السبيل مثلاً حيث كان نصفاً، وقبل ذلك الإمام منه وأقره عليه فلا شيء في يد الإمام للفقير حينئذ، ولا حق يتعلق به له، ولا يلزم أن يكون قسمة الزكاة بين مصارفها كقسمة الأشياء المملوكة بين مالكيها، فيشترط الحضور والتراضي أو مصير كل نصيب إلى مستحقه، فيما قسمته أفراد، ألا ترى أن بعض أرباب الزكاة لو صرفوا في ابن السبيل حصته من واجبهم أو إلى الغارم مثلاً حصته ولم يسلموا للفقير والمسكين شيئاً لم يكن مطالبة أولئك المصروف إليهم، وأن يقولوا حصتنا مشاع فسلموا لنا حصتنا مما صار إليكم، فلم نرض بما ذكروه من بقاء حصتنا بأيديهم؟ هذا مالا يقول به أحد ولا يتصور ولا يتقرر، ولو كان المصارف كالمالكين لما جاز أن يختص بعض، أهل المصارف دون بعض وفقير دون سائر الفقراء، والأمر فيما ذكرناه ظاهر.
وأمَّا فَرْض أنَّ يد الإمام انبسطت وتمكن من قهر أهل جهة فاستوفى منها الحقوق كلها واستقصى عليها، فلا كلام أنه يجب عليه تعهد من فيها من الضعفاء الذين حققتهم، كما ذكره المهدي عليه السلام أحمد بن الحسين، وهم الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.
وأنَّهُ يتوجه عليه أن يواسيهم كل منهم على حسب حاله وحسب ما يراه، وأما فقراؤها المتمكنون من التكسب والضرب في الأرض وحق الإمام واجب عليهم، ولازم إياهم لتمكنهم من القيام به، فهؤلاء شأنهم أنهم قاموا بحق الإمام وما كلفوا به من أجله، فمواساتهم إياهم لازمة له، وقيامه بحقهم واجب عليه، ويحسن أن يصرف إلى الفقراء والمساكين من أهل تلك الجهة قدر الربع من واجباتهم، لأنه أحوط وإن لم يلزم مراعاة هذا التقدير بل له الزيادة عليه والنقص منه، وهذا حيث كان في الأمر سعة وأحواله مستقيمة، ولا يلحق بما ذكره خلل، وباب الجهاد غير موسع ولا يستوعب بحيث لا خلل كان ولا ضرر ولا إجحاف.
دقيقـة:
اعلم أنَّ الأصحاب رحمهم الله تعالى تركوا تقييد ما يجب على الإمام من تلك الأمور بما أشرنا إليه ويتهيأ عليه، إلا أنهم في الأغلب يذكرون ما هو عليه بعد ذكر ما هو له، فبينوا وجوب ما يجب عليه على تقدير حصول ما قدموه مما يجب له، ولا شك أنه إذا فرض قيام الأمة بما يجب عليهم له، ومن ذلك تسليم حقوق الله تعالى، مع طاعتهم له، والجهاد بين يديه، فإن تعهد الضعفاء والفقراء ومواساتهم لفقرهم ولقيامهم بحقه أمر لازم له مع كونه موكولاً إليه النظر في الإكثار والإقلال، والتسوية والتفضيل، حسب ما يوفيه نظر الإمام إلى الصلاح، ومستحضر النية الصالحة، والقصد الحسن، مجانباً في ذلك الهوى والغضب، ولو سئل من ذكر تلك الظواهر فيما يجب على الإمام، هل ذلك يجب عليه مع خلو يده عن بيوت الأموال واستيفاء الحقوق؟ لقالوا: لا.
وهل يجب عليه مع استيعاب الجهاد وأمور الإمامة التي لا بد منها، ولا يستقيم الأمر إلا معها لما في يده؟ لقالوا: لا.