وقال في (الأزهار) وشرحه (الغيث): وتعهد الضعفاء فيما يحتاجون إليه من إعطاء أو إنصاف من ظالم، والمراد بهم من لا يتصل به من النساء والصبيان والمرضى والمساكين، قال المهدي عليه السلام : ويكفيه من تعهدهم أن يوصي نائب كل جهة في تعهد مساكينها ومواساتهم كل بقدر حاله.
فلما وقف من ليس له تحقيق على ما ذكر أخذ بظاهره، وحملهم الشغف بالإعطاء والتحامل على الأئمة بما يصير إليهم من بيوت الأموال على عدم التأمل للأمر، والتفهم بشروطه، والنظور لأحوال يكون عليها الإمام ويختلف في حقه، وما عدم أهل تلك الكتب ومن حذا حذوهم أنهم رموا بمثل ذلك الكلام رمياً خالياً عن الإحكام والاهتمام بعدم الإيهام، لا جهلاً منهم للأمر، ولا قصداً للإلباس على الناس، وكلام الأزهار وشرحه أعدلها وأقربها إلى عدم الإشكال والابهام، وهو صريح في تحقيق حال من يتعهده ويتوجه النظر في حاله، وأكثر الفقراء عن ذلك المعزل، والغلط المشار إليه في هذا المعنى عن الأهم من وجوه أربعة:
الأول: إن المنقدح في نفوس المنافسين للإمام المشار إليهم أن هذا الواجب يجب على كل إمام، وأن ثبوت الإمامة يستدعيه ويقتضيه، ويصرحون بأنه ما شرعت الإمامة ووجب انتصاب الإمام إلا لهذا المعنى، والغرض من هذا الوجه ظاهره، فإنه ليس كل إمام يتمكن من ذلك، وكم من إمام لا يحتوي إلى شيء، ولا يتمكن من مواساة فقير واحد فضلاً عن أن يواسي كل فقير فضلاً عن أن يغنيه، وحال الإمام الواحد يختلف، وقد يتمكن في وقت دون وقت، وقد يكون في بعض الأحوال ذا حال واسع، وفي بعضها على أمر ضيق، فينبغي أن لا يوجه للتشنيع إليه إلا بعد التحقيق لما هو عليه.
الوجه الثاني: إن المواساة وتعهد المحتاجين إنما تجب على الإمام حيث وصلت في يده فضلة بعد القيام ممالا يستقيم حاله إلا به، وبعد إعداد شيء نافع لما يعرض وينوب، ومع الخلو عن استيعاب الأمور الجهادية لما في يده من الحقوق الواجبة.
وقد صرح المنصور بالله عليه السلام بذلك وقال ما معناه: إن مواساة الإمام للفقراء إنما تتوجه مع عدم الاحتياج إلى سد الثغور واستقامة أمر الجهاد، وأما مع الحاجة إلى ذلك فهو أقدم ولو أدى إلى موت الفقراء للحاجة والمجاعة، لأن موت الفقراء لا يتعدى أضراره، ولا يؤدي إلى فساد في الدين، بخلاف الإخلال بشيء من أمر الجهاد وما يحتاج فيه.
وصرح الإمام إبراهيم بن تاج الدين في بعض رسائله بأن عماله لا يواسون الفقراء والمساكين إلا بربع الواجب، وأما ثلاثة أرباع فيتركه لما عدا ذلك، قال: إلا أن يتضيق أمر الجهاد فلا يعطوا الفقراء شيئاً.
الثالث: أنَّ أكثر من يدعي هذه الدعوى على الإمام ويناقشونه في أمر أنفسهم، وهو من لا اهتمام له بشيء من أمر الإمام والإمامة، ومن هو غافل عن ذلك معرض عنه غير مشتغل به، فلا يخطر بباله من تكاليف الإمامة وفوائدها وثمراتها إلا وجوب مواساة الفقراء من الإمام، وإنما يتعهد الإمام ويزوره لقضاء حاجة فقط، بحيث أنه لولا هي لما وفد عليه ولا التفت إليه، فلا يأتيه إلا مطالباً له بها، وهذه غلطة ظاهرة، فإنه يجب على الإمام أن يتعهد من لم يقم بشيء من حقه وما يجب له وما كلف الناس به من أمره، ومن فرط في أمر الإمام أو ما يجب له فحقه على الإمام ساقط.
وقد صرح المنصور بالله عليه السلام بذلك ونص على أنه لا يجب على الإمام مواساة من لم يقم بحقه، ويؤدي ما كلف من أجله، قال عليه السلام ما لفظه: يجب الجهاد بالسنان والحسام واليد والكلام، وكل أحد يقدر على الجهاد، فمن لم يجاهد فلا حق له في الواجب، ولا على الإمام له عهده كيف وقد ارتكب عظيماً، وترك فرضاً جسيماً.
قال: كل من كان قعيد بيته، وجليس أهله وعشيرته، فلا يلزم الإمام عهدته، ولا القيام بمؤنته، وله أن يعطي بعض الأشياع أو بعض الأجناد دون بعض وأكثر من بعض، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطي الجلفاء من الأعراب من بيوت الأموا ل نحو مائة بعير()، وفقراء المهاجرين والأنصار على الصفة يود الواحد مضغة من الطعام.
وقال المهدي أحمد بن الحسين عليه السلام : يقتضي العامل الواجبات، فيوفر منها ثلاث أرباعها للجهاد، ويصرف في الفقراء والمساكين ممن قام بفرض الجهاد، فإن لم فلا حظ له في شيء من ذلك.