القول فيما يلزم الإمام للرعية ويتعلق بذلك من الأحكام الشرعية

يلزمه أن يسير فيهم السيرة المرضية، المطابقة للسنة النبوية، الخالصة عن شوب الهوى ومحبة الدنيا الدنية، فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويقيم الحدود على مرتكبها، ويغيث المظلومين، وينابذ الظالمين، ويجد في تنفيذ الشريعة المطهرة وأحكامها ونصب قضاتها وحكامها، ويعامل المتقين بالرفق، وحسن الخلق، وإلانة الجانب، ويعامل الفجار بخلاف ذلك، ولا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، ولا يحجم عن شيء مما ذكر إلا لعذر مانع، وعائق حائل، أو خيفة مفسدة في الدين لا تقوم بها تلك المصلحة.

ومن تكاليفه ما هو مقصور عليه لا يقوم به غيره كإقامة الجمعات، وتجنيد الجنود، وحفظ بيضة الإسلام، وغزو الكفار والبغاة ونحو ذلك.

 ومن تكاليفه ما يعمه وغيره كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الطرق وعمارة المساجد ونحو ذلك، وهذا النوع يكون أكد في حقه وألزم له، وعليه تسهيل الحجاب، بحيث يتصل به الضعفاء والمساكين والمظلومون لقضاء حوائجهم التي يجب عليه قضاؤها، ولا يجب ذلك مستمراً بل في بعض الأوقات، بحيث لا يتعذر على من ذكر ما ذكر، وإلا فإن له أن يحتجب في بعض الأوقات للخلو بأهله وخاصته، وقضاء مالا بد له من قضائه من أكل وشرب ونوم وقضاء حاجة، وفعل عبادة، وعليه تقريب أهل الفضل، يعني أنهم يكونون أقرب اتصالاً به من غيرهم، لأنه ينبغي تعظيمهم وهذا نوع منه، وقد أرشد الله إلى ذلك بقوله تعالى: {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ يُرِيْدُوْنَ وَجْهَهُ} [الكهف:28]، الآية، ومجالستهم حتى يكتسب من علم أو عمل، أو تذكر بأمر الآخرة، وعليه الاستشارة للأعيان فيما لنظرهم فيه مجال ومكان من أمور الأمة، قال تعالى: {وشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} [آل عمران:159]، وعليه أن يتعهد الضعفاء فيما يحتاجون إليه، حسب ما يتوجه عليه من عطاء أو إنصاف من ظالم مما يحتاجون، والمراد بهم من لا يتصل به من النساء والصبيان ومرضى المساكين، وعليه في أمور الجهاد وأدابه ما يذكر في بابه.

 وتكاليف الإمام كثيرة، وإنما هذه نبذة يسيرة إلى المقصود مشيرة.

تنبيه وإرشاد:

وينبغي أن يتوجه النظر المستجاد، ومسائلة جهابذة النقاد.

 اعلم أنه كثير ما يغلط على الإمام في أمر الفقراء والمساكين، ويشيع ذلك بين الناس اعتقاد جهل، وهو أنه يلزمه النظر في أرزاقهم، وكفايتهم، وإجابة سائليهم، من غير التفات إلى حال الإمام، ولا إلى حال المأموم، ولا ذكر شرط في ذلك ولا قيد من القيود، ولقد رأينا ذلك وسمعنا ما يقضي منه العجب، بحيث أنه قد يتظلم كثير من الفقراء تظلماً كثيراً من الإمام كتظلم المنهوب من الناهب، والمغصوب حقه من الغاصب، وقد يتصور بعضهم بصورة الغريم المطالب، ولهم في ذلك فنون ومذاهب، وقد ينتصب بعضهم لوعظ الإمام ويخوفه الوقوف بين يدي الله تعالى يوم الحشر والقيام، وقد يزعم بعضهم أن الذي تهلكه المجاعة في السنة الشهباء ولم يتداركه الإمام يصيره بمنزلة قاتل العمد، وغير هذا وغيره من فنون الجهالة من أنواع الضلالة، والذي جرأهم على ذلك ما يقفون عليه في الكتب المتدارسة المتداولة، من ذكر ما يوهم ما فاهوا به، (كاللمع) و(التذكرة)  ، وغيرهما، فقد ذكر في (اللمع): إن الإمام يغنيهم عما يحتاجونه أو بعضه بحسب رأيه، قال بعض شارحي (اللمع) فيه روايتان بالغين بالمعجمة من الغنى، وبالعين المهملة من الإعانة.

وقال في (التذكرة): ويفضل الضعفاء والأرامل والمساكين، ويغنيهم عن مسألة من ذوي السعة، حيث وفي كلام (التذكرة) إشارة إلى تفسير ذلك اللفظ الذي في اللمع.

92 / 331
ع
En
A+
A-